احدث الإشعارات

ترجمة نقدية لدراسة: «النتائج الإيجابية الزائفة في علم النفس: المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها تسمح بعرض أي شيء على أنه ذو دلالة إحصائية.»

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج دالة إحصائيًا رغم غياب أثر حقيقي. ويناقش أهمية الشفافية وتقويم الأدلة، ومسار الباحث المسلم من تلقي المعرفة النفسية ونقدها إلى بنائها انطلاقًا من الوحي، مع إخضاع الاستنباطات البشرية القابلة للاختبار للفحص العلمي.

ملخص سريع

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج دالة إحصائيًا رغم غياب أثر حقيقي. ويناقش أهمية الشفافية وتقويم الأدلة، ومسار الباحث المسلم من تلقي المعرفة النفسية ونقدها إلى بنائها انطلاقًا من الوحي، مع إخضاع الاستنباطات البشرية القابلة للاختبار للفحص العلمي.

التلخيص

تناقش هذه الترجمة النقدية دراسة سيمونز وزملائه (2011) حول الإيجابيات الكاذبة ودرجات حرية الباحث في البحوث النفسية التجريبية. وتهدف الدراسة إلى بيان أثر المرونة غير المفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها في احتمال الوصول إلى نتائج دالة إحصائيًا رغم عدم وجود أثر حقيقي. وتبين أن تعدد الخيارات المنهجية والتحليلية المتاحة للباحث قد يرفع احتمال الإيجابيات الكاذبة عند استكشاف بدائل متعددة ثم الإبلاغ فقط عما أدى إلى الدلالة الإحصائية، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة وجود نية للخداع.

وتنتقل القراءة النقدية من النتائج المباشرة للدراسة إلى مناقشة دلالاتها المنهجية والمعرفية، فتبيّن أن الدلالة الإحصائية وحدها لا تكفي للحكم على قوة الدليل، وأن تقييم النتائج يقتضي النظر في كيفية إنتاجها، وشفافية إجراءاتها، وجودة تصميمها، وتراكم الأدلة حولها. وتخلص إلى أن الإفادة من النقد المنهجي الداخلي في علم النفس المعاصر تساعد على تجاوز التلقي غير النقدي للمعرفة النفسية دون الوقوع في رفضها، وتفتح أمام الباحث المسلم مسارًا يتجاوز التلقي والنقد إلى البناء والإنتاج المعرفي؛ بالانطلاق من الوحي في الأصول والمنطلقات، والإفادة من التراث الإسلامي ومنجزات العلوم النفسية الحديثة، مع إخضاع الاستنباطات البشرية القابلة للاختبار للفحص العلمي المنضبط.

المقدمة

تُعد موثوقية النتائج المنشورة من القضايا المنهجية المهمة في البحث النفسي؛ إذ لا تتحدد قوة الدليل الإحصائي بالنتيجة النهائية وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بالقرارات التي يتخذها الباحث أثناء جمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها. وفي هذا السياق، قدّم سيمونز وزملاؤه (2011) دراستهم: «الإيجابيات الكاذبة في علم النفس: المرونة غير المفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها تسمح بعرض أي شيء على أنه دالّ إحصائيًا»، التي تناولت أثر المرونة في القرارات البحثية والتحليلية في احتمال الوصول إلى نتائج إيجابية كاذبة.

وتنبع أهمية الدراسة من لفتها الانتباه إلى ضرورة عدم قراءة النتيجة الإحصائية بمعزل عن القرارات المنهجية والتحليلية التي أسهمت في إنتاجها. ومن هنا، تتناول هذه الترجمة النقدية الدراسة على مستويين متكاملين: يعرض المستوى الأول إشكاليتها ومنهجها ونتائجها والحلول التي اقترحها المؤلفون، بينما ينتقل المستوى الثاني إلى قراءة نقدية تقدمها الباحثة لدلالاتها المنهجية والمعرفية، وما تثيره من أسئلة حول كيفية قراءة نتائج البحوث النفسية وتقويم قوة أدلتها، وصولًا إلى تجاوز تلقي المعرفة نحو نقدها والمشاركة في بنائها وإنتاجها.

المحور الأول: عرض الدراسة وتحليلها

1- إشكالية الدراسة وفكرتها المركزية

ينطلق سيمونز وزملاؤه (2011) من إشكالية منهجية تتعلق بموثوقية النتائج الإحصائية في البحوث النفسية التجريبية. ويُعتمد في كثير من البحوث مستوى p≤.05 باعتباره حدًّا اصطلاحيًا شائعًا للحكم على الدلالة الإحصائية في ظل الفرضية الصفرية. غير أن المؤلفين يبيّنون أن تعدد الخيارات المتاحة للباحث أثناء جمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها قد يؤدي إلى نتائج تبدو دالة إحصائيًا رغم عدم وجود أثر حقيقي.

ويطلق المؤلفون على هذه المساحة من الخيارات مصطلح «درجات حرية الباحث» (Researcher Degrees of Freedom)، ويقصدون به تعدد القرارات التي يمكن للباحث اتخاذها أثناء إجراء الدراسة وتحليل بياناتها؛ مثل الاستمرار في جمع البيانات أو التوقف، واستبعاد بعض الملاحظات أو الإبقاء عليها، واختيار الشروط التي ستُقارن، والمتغيرات التي ستُحلل، والمتغيرات المصاحبة التي ستُدرج في التحليل.

ولا يرى المؤلفون أن وجود هذه الخيارات يمثل مشكلة في ذاته؛ فكثير من القرارات البحثية قد يصعب حسمها مسبقًا. وإنما تنشأ المشكلة عندما يستكشف الباحث بدائل متعددة في جمع البيانات أو تحليلها، ثم يبلّغ فقط عن الخيار الذي أدى إلى نتيجة دالة إحصائيًا. ففي هذه الحالة يزداد احتمال الحصول على إيجابية كاذبة، أي نتيجة تبدو دالة إحصائيًا رغم عدم وجود أثر حقيقي.

ويؤكد المؤلفون أن هذه الممارسة لا تستلزم بالضرورة تعمد الخداع؛ فقد تنشأ عن اجتماع الغموض في تحديد القرار المنهجي أو التحليلي الأنسب مع رغبة الباحث في الوصول إلى نتيجة دالة إحصائيًا. وفي ظل هذا الغموض، قد يميل الباحث، من غير قصد الخداع، إلى تفسير الخيارات المتاحة بطريقة تقرّبه من النتيجة التي يرجوها، وهو ما يربطه المؤلفون بما يُعرف بـ«الاستدلال المدفوع بالدوافع» (Motivated Reasoning).

وانطلاقًا من هذه الإشكالية، حدد المؤلفون للمقال هدفين رئيسيين: أولهما بيان أن المرونة غير المفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها يمكن أن تزيد احتمال الحصول على إيجابيات كاذبة، وثانيهما اقتراح حل عملي قائم على الإفصاح والشفافية، يتضمن ستة متطلبات للمؤلفين وأربعة إرشادات للمراجعين.

2- كيف اختبر المؤلفون هذه الفكرة؟

اعتمد المؤلفون مسارين: تجربتين فعليتين ومحاكاة حاسوبية. هدفت التجربتان إلى إظهار كيف يمكن للمرونة في القرارات البحثية والتحليلية أن تقود إلى نتيجة دالة إحصائيًا تبدو مؤيدة لاستنتاج غير صحيح، بينما استُخدمت المحاكاة لتقدير مقدار ارتفاع احتمال الإيجابيات الكاذبة عند تعدد هذه القرارات.

2-1- التجربتان الفعليتان

صمم المؤلفون تجربتين حول تأثير بعض الأغاني في عمر المستمعين، بهدف توضيح المشكلة المنهجية دون استهداف نظرية نفسية أو مجال بحثي محدد. ويؤكدون أن المشاركين كانوا حقيقيين، وأن البيانات جُمعت فعلًا، وأن التحليلات الإحصائية المبلَّغ عنها أُجريت فعلًا.

في الدراسة الأولى، اختبروا ما إذا كان الاستماع إلى أغنية للأطفال يؤثر في تقدير المشاركين لأعمارهم. شارك ثلاثون طالبًا جامعيًا، ووزعوا عشوائيًا إلى مجموعتين استمعتا إلى أغنيتين مختلفتين، ثم سُئلوا عن العمر الذي يشعرون أنه يمثلهم. وبعد أخذ عمر الأب في الحسبان، ظهر فرق دال إحصائيًا بين المجموعتين (p=.033)، في اتجاه يتفق مع الفرضية التي اختبرها المؤلفون.

أما الدراسة الثانية، فاختبرت فرضية أكثر وضوحًا في زيفها: هل يمكن لأغنية أن تجعل المستمع أصغر في عمره الزمني الفعلي؟ وفي الصيغة الانتقائية التي عرض بها المؤلفون الدراسة أولًا، اقتصر التحليل على عشرين مشاركًا من شرطين تجريبيين. وعند أخذ عمر الأب في الحسبان، ظهر فرق دال إحصائيًا (p=.040)، بدا وكأنه يؤيد هذا الاستنتاج المستحيل.

وعندما أعاد المؤلفون عرض الدراسة وفق متطلبات الإفصاح التي اقترحوها، اتضحت صورة أوسع: فقد جُمعت البيانات من 34 مشاركًا في ثلاثة شروط تجريبية، في حين اقتصر التحليل المعروض أولًا على عشرين مشاركًا من شرطين منها. كما جُمعت متغيرات أخرى، ولم تُحدد مسبقًا قاعدة للتوقف عن جمع البيانات، بل كان الباحثون يجرون التحليلات بصورة دورية أثناء جمعها.

كما ظهر أثر اختيار المتغيرات المدخلة في التحليل؛ فعندما أُخذ عمر الأب في الحسبان كانت النتيجة دالة إحصائيًا (p=.040)، بينما لم تكن دالة عند إجراء التحليل من دونه (p=.33). ولا يعني ذلك أن إدخال هذا المتغير إجراء غير مشروع في ذاته، وإنما يوضح الفكرة المركزية للدراسة: عندما تتاح للباحث خيارات تحليلية متعددة ثم يُبلّغ فقط عن الخيار الذي أدى إلى الدلالة الإحصائية، قد تبدو النتيجة أكثر إقناعًا مما لو عُرضت جميع الخيارات التي جُرّبت.

2-2- المحاكاة الحاسوبية

بعد التجربتين، استخدم المؤلفون المحاكاة الحاسوبية لقياس أثر أربع صور من درجات حرية الباحث: الاختيار بين أكثر من متغير تابع، والمرونة في استخدام المتغير المصاحب وصيغ إدخاله في التحليل، والمرونة في الاستمرار في جمع البيانات، والمرونة في اختيار الشروط التجريبية التي تدخل في المقارنة.

ولأن بيانات المحاكاة وُلّدت عشوائيًا بحيث لا يوجد أثر حقيقي بين المجموعات، فإن أي نتيجة تظهر دالة إحصائيًا تمثل إيجابية كاذبة. وأظهرت المحاكاة أن كل صورة من صور المرونة التي اختبرها المؤلفون رفعت احتمال الإيجابيات الكاذبة فوق المستوى الاسمي البالغ 5%، وأن الأثر ازداد عند اجتماع هذه الخيارات.

فعندما جُمعت درجات الحرية الأربع في سيناريو واحد، بلغت نسبة العينات المحاكاة التي ظهر فيها تحليل واحد على الأقل دالًا إحصائيًا رغم عدم وجود أثر حقيقي 60.7% عند p<.05. ويجب فهم هذه النسبة في حدودها؛ فهي نتيجة لسيناريو المحاكاة المحدد الذي اختبره المؤلفون، وليست تقديرًا لنسبة الإيجابيات الكاذبة في البحوث النفسية عمومًا.

3- الحل الذي اقترحه المؤلفون: الإفصاح والشفافية

يقترح سيمونز وزملاؤه حلًا قائمًا على زيادة الإفصاح عن القرارات البحثية والتحليلية، لا على إلغاء حرية الباحث في اتخاذها. والهدف هو تمكين المراجعين والقراء من معرفة المسار الذي أدى إلى النتيجة وتقدير مدى متانتها. كما يؤكدون أن اقتراحهم يفترض نزاهة الباحثين، ولا يستهدف حالات الخداع المتعمد.

وحدد المؤلفون ستة متطلبات للباحثين: تحديد قاعدة التوقف عن جمع البيانات مسبقًا، وجمع عشرين مشاركًا على الأقل في كل حالة تجريبية أو تبرير عدم ذلك، والإفصاح عن جميع المتغيرات والشروط التجريبية، وعرض النتائج مع الملاحظات المستبعدة عند وجود استبعاد، وكذلك من دون المتغير المصاحب عند استخدامه. أما شرط العشرين مشاركًا فهو اقتراح قدمه المؤلفون في هذا المقال سنة 2011، وليس قاعدة عامة لتحديد حجم العينات.

كما اقترحوا أربعة إرشادات للمراجعين: التحقق من استيفاء متطلبات الإفصاح، والتسامح مع عدم مثالية النتائج، والتأكد من أن النتائج لا تعتمد على قرارات تحليلية اعتباطية، وطلب تكرار مطابق للدراسة عندما تكون مبررات بعض القرارات غير مقنعة. وبذلك يقوم الحل في جوهره على إظهار قدر أكبر من المسار الذي أدى إلى النتيجة النهائية، حتى يمكن تقييم مدى قوتها ومدى اعتمادها على خيارات بحثية أو تحليلية معينة.

4- حدود الحل وخلاصة المؤلفين

يقر سيمونز وزملاؤه بأن الحل المقترح لا يكشف جميع درجات حرية الباحث؛ فهو لا يكشف، مثلًا، الحالات التي يجري فيها الباحث عدة تجارب ثم يبلّغ فقط عن التجارب التي أعطت النتائج المطلوبة، وهي صورة من المشكلة المعروفة بـ«مشكلة درج الملفات» (File-Drawer Problem).

كما يؤكدون أن دعوتهم إلى الإفصاح لا تعني رفض البحث الاستكشافي؛ بل يرون أن من المشروع استكشاف البيانات، على أن يُعرض البحث بوصفه استكشافيًا مع الالتزام بمتطلبات الإفصاح، أو تُدعَم نتائجه ببحث تأكيدي يكرر التصميم والتحليل اللذين أظهرا النتيجة.

ويختتم المؤلفون بالتأكيد أن غاية العلم ليست نشر أكبر عدد ممكن من المقالات، وإنما اكتشاف الحقيقة ونشرها. ويرون أن ضغوط النشر، مع الغموض الذي يحيط ببعض القرارات البحثية، قد تجعل الباحث يميل إلى القرار الذي يؤدي إلى نتيجة أكثر قابلية للنشر، ويقنع نفسه في الوقت نفسه بأنه القرار الأنسب علميًا، من دون أن يستلزم ذلك تعمد الخداع. ومن هنا يدافعون عن زيادة الإفصاح والشفافية للحد من أثر هذه المرونة وتعزيز مصداقية البحث العلمي.

المحور الثاني: قراءة نقدية تحليلية للدراسة

يمثل هذا المحور قراءة نقدية تحليلية تقدمها الباحثة للدراسة، ويعبّر عما تستخلصه من دلالاتها المنهجية والمعرفية.

1- الدليل التجريبي في علم النفس بين القوة والحدود

حسب الباحثة، فإن دراسة سيمونز وزملائه تكشف أن الدلالة الإحصائية الناتجة عن دراسة تجريبية لا تكفي وحدها للحكم على قوة الدليل؛ إذ قد تتأثر النتيجة بالقرارات المتعلقة بجمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها. كما أن الباحث نفسه ليس بمنأى عن تأثير توقعاته ودوافعه في بعض القرارات المنهجية الملتبسة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تعمد الغش أو الخداع. ومن ثم، ينبغي تقييم النتائج في ضوء جودة التصميم، وشفافية التحليل، ومدى تكرارها وتراكم الأدلة حولها.

ومن هذا يمكن استخلاص دلالة أوسع: أن ما يوصف بأنه «مثبت تجريبيًا» في علم النفس لا ينبغي أن يُعامل تلقائيًا بوصفه حقيقة نهائية غير قابلة للنقد؛ فالدليل التجريبي، على أهميته، دليل ينتجه الإنسان بأدوات ومناهج بشرية، تتفاوت قوته ويظل قابلًا للفحص والمراجعة والتصحيح. وهذا لا ينتقص من قيمة التجريب، وإنما يضعه في حدوده المعرفية الصحيحة.

ولهذا لا يكفي في تقييم نظرية نفسية السؤال: هل توجد دراسات تؤيدها؟ بل ينبغي أيضًا السؤال عن جودة هذه الدراسات، وقوة أدلتها، ومدى تكرار نتائجها بصورة مستقلة، وما تسمح به بياناتها فعلًا من استنتاجات. وبذلك لا تُستخدم دراسة سيمونز وزملائه للتقليل من قيمة البحث التجريبي، وإنما للدعوة إلى التعامل معه بوعي نقدي ومنهجي، والتمييز بين وجود دليل تجريبي وقوة هذا الدليل وحدود ما يمكن الاستدلال به عليه.

2- من التلقي إلى التلقي الناقد

حسب الباحثة، تقدم دراسة سيمونز وزملائه كذلك مثالًا مهمًا على النقد المنهجي الذي ينشأ من داخل علم النفس المعاصر نفسه. فالمؤلفون لا يقفون خارج الممارسة العلمية لرفضها، بل ينطلقون من داخلها للكشف عن مواطن ضعف في بعض ممارسات جمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها، ثم يقترحون إجراءات لتحسين الشفافية والحد من الإيجابيات الكاذبة. وهذا يبين أن المعرفة النفسية المعاصرة ليست بناءً مكتملًا من الحقائق النهائية، وإنما معرفة بشرية تتطور بالمراجعة والنقد والتصحيح.

وهذا مهم للباحث المسلم؛ لأنه يدعوه إلى تجاوز موقف التلقي غير النقدي للمعرفة النفسية المعاصرة. فلا ينبغي أن تتحول عبارات مثل «أثبتت الدراسات» أو «مثبت تجريبيًا» إلى مانع من الفحص والنقد، كما لا ينبغي أن تتحول معرفة حدود البحث التجريبي إلى سبب لرفض منجزاته. والموقف الأكثر اتزانًا هو الإفادة منه مع الوعي بدرجات قوة أدلته وحدود مناهجه.

وعندئذ لا يعود السؤال مقتصرًا على: ماذا تقول الدراسات؟ بل يمتد إلى: كيف أُنتجت هذه النتائج؟ وما قوة الدليل الذي تستند إليه؟ وما حدود التصميم والتحليل؟ وهل تكررت النتائج وتراكمت الأدلة حولها؟ وما الذي تسمح البيانات باستنتاجه، وما الذي يتجاوزها؟ وهكذا ينتقل الباحث من موقع المتلقي للمعرفة إلى موقع القارئ الناقد القادر على تقويمها والإفادة منها بوعي.

3- من التلقي الناقد إلى البناء المعرفي من الوحي

تبيّن الباحثة أن النقد ليس نهاية المسار. فإذا كانت نظريات علم النفس المعاصر تنطلق من تصورات وأطر نظرية بشرية، ثم تُختبر فرضياتها بالبحث التجريبي، وكان هذا الاختبار نفسه يجري ضمن عملية بشرية قابلة للتأثر ببعض القرارات والتوقعات، فلماذا يُستبعد من حيث المبدأ أن ينطلق الباحث المسلم في بناء تصوره للنفس من الوحي، الذي يمثل في المنظومة المعرفية الإسلامية مصدرًا حقًا ويقينيًا؟

غير أن هذا البناء يقتضي تمييزًا أساسيًا بين الوحي وفهمنا للوحي؛ فالوحي في التصور الإسلامي حق ومعصوم، وصدقه ليس متوقفًا على إثباته بالتجربة النفسية، أما فهم الباحث له واستنباط المفاهيم والنظريات النفسية منه فهو اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ، يحتاج إلى أصول صحيحة في التفسير والاستدلال، وإلى الإفادة من التراث الإسلامي، كما يبقى قابلًا للحوار والنقد العلمي. وينبغي كذلك التمييز بين مصدر بناء التصور وطريقة اختبار الادعاءات؛ فما ينتج عن الاستنباط البشري من فرضيات قابلة للملاحظة والقياس، أو تدخلات يُدَّعى لها أثر نفسي معين، يحتاج إلى الاختبار العلمي المناسب.

ومن هنا لا ينبغي أن تقف الترجمة النقدية عند نقل المعرفة النفسية المعاصرة أو كشف مواطن الضعف فيها، بل يمكن أن تكون مرحلة في طريق البناء والإنتاج المعرفي. فالباحث المسلم لا يبدأ من فراغ؛ بل يستند في أصوله ومنطلقاته إلى الوحيين، ويفيد من التراث الإسلامي، وينتفع بمنجزات العلوم النفسية الحديثة في فروعها وتفصيلاتها وبمناهجها وأدواتها، مع فهم حدودها وتقويم أدلتها. وبذلك يصبح المسار: الفهم ثم النقد ثم البناء.

خاتمة

تكشف دراسة سيمونز وزملائه أن الدلالة الإحصائية لا تكفي وحدها للحكم على قوة الدليل في البحث النفسي؛ إذ قد تتأثر النتائج بالقرارات البشرية المصاحبة لجمع البيانات وتحليلها والإبلاغ عنها. ولا ينتقص هذا النقد من قيمة البحث التجريبي، بل يدعو إلى وضعه في حدوده المعرفية والمنهجية، وقراءة نتائجه في ضوء جودة تصميم الدراسة وشفافية إجراءاتها وتراكم الأدلة حولها.

وبالنسبة إلى الباحث المسلم، يمكن أن يمثل هذا الوعي المنهجي خطوة في مسار أوسع نحو البناء والإنتاج المعرفي؛ فهو لا يبدأ من فراغ، وإنما يستند في أصوله ومنطلقاته إلى الوحيين، ويفيد من التراث الإسلامي، وينتفع بمنجزات العلوم النفسية الحديثة ومناهجها وأدواتها في الفروع والتفصيلات، مع إخضاع المعرفة البشرية للفحص والتقويم العلمي. ويقتضي ذلك التمييز بين الوحي المعصوم والاستنباط البشري القابل للنقد، وإخضاع ما ينتج عن هذا الاستنباط من ادعاءات قابلة للاختبار للفحص العلمي المنضبط. وبذلك لا تقتصر الترجمة النقدية على نقل ما ينتجه علم النفس المعاصر إلى اللغة العربية، وإنما تصبح وسيلة لبناء موقف معرفي أكثر نضجًا ينتقل بالباحث من الفهم، إلى النقد، ثم إلى البناء والإنتاج المعرفي.

وجدير بالذكر أن اختيار هذه الدراسة لم يكن اعتباطيًا؛ فهي دراسة منهجية نُشرت في مجلة Psychological Science المصنفة ضمن الربع الأول (Q1) وفق تصنيف SCImago. المجلة ذات تأثير علمي عالٍ، فقد أصبحت هذه الدراسة من المراجع الأساسية في هذا المجال، إذ حظيت بأكثر من 9486 اقتباسًا علميًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرجع البحث

Simmons JP, Nelson LD, Simonsohn U. False-positive psychology: undisclosed flexibility in data collection and analysis allows presenting anything as significant. Psychol Sci. 2011 Nov;22(11):1359-66. doi: 10.1177/0956797611417632. Epub 2011 Oct 17. PMID: 22006061.

مؤلفو البحث

– جوزيف ب. سيمونز (Joseph P. Simmons): أستاذ الإحصاء التطبيقي وأستاذ العمليات والمعلومات والقرارات في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا. تتركز أبحاثه في الحكم واتخاذ القرار، إضافة إلى مناهج البحث التجريبي وكيفية تحسين نزاهة وموثوقية البحوث السلوكية. وتشير جامعة بنسلفانيا إلى أن أبحاثه المنهجية أسهمت في تغيير بعض طرق إجراء الدراسات السلوكية والإبلاغ عن نتائجها.

– ليف د. نيلسون (Leif D. Nelson): أستاذ إدارة الأعمال والتسويق بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، وحاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة برينستون. تشمل اهتماماته البحثية الحكم البشري واتخاذ القرار وتفضيلات المستهلك والممارسات العلمية في علم النفس التجريبي.

– أوري سيمونسون (Uri Simonsohn): أستاذ في قسم البيانات والتحليلات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إيساده (ESADE)، وحاصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية وعلوم القرار من جامعة كارنيغي ميلون. تتركز أبحاثه في مجالين أساسيين: كيفية تفكير الأفراد وإصدارهم للأحكام واتخاذهم للقرارات، ومنهجية البحث وكيفية اتخاذ الباحثين للقرارات أثناء إجراء الدراسات وتحليلها. كما عمل أستاذًا في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا لمدة 15 عامًا، وله إسهامات بارزة في منهجية البحث والعلوم المفتوحة.

الترجمة النقدية والتحليل

الدكتورة ليلى الشريف

استشارية طب نفس الأطفال والمراهقين، وأستاذة مشاركة سابقة في كلية الطب بجامعة صفاقس – تونس، واستشارية سابقة في مستشفى الأطفال بمحافظة الطائف – المملكة العربية السعودية. متخصّصة في العلاج السلوكي المعرفي (CBT). نشرت عشرين بحثًا علميًا في مجلات علمية محكّمة. تحمل بكالوريوس في العلوم الإسلامية – تخصص القرآن الكريم وعلومه من جامعة المدينة العالمية. تركّز اهتماماتها البحثية الحالية على دراسة العلوم النفسية من منظور إسلامي.

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

على الرغم من التقدّم الظاهري الذي شهده علم النفس الغربي خلال العقود الأخيرة، فإن هذا الحقل يمرّ اليوم

استكشف المجالات والشعارات

موضوعات ذات صلة

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

الإنصاف والانظلام مفهومان دقيقان لا تستقيم العلاقات الإنسانية إلا بفهمهما فهمًا صحيحًا فالإنصاف دليل قوة نفسية، والانظلام المحمود

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

مقالات ذات صلة

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

الإنصاف والانظلام مفهومان دقيقان لا تستقيم العلاقات الإنسانية إلا بفهمهما فهمًا صحيحًا فالإنصاف دليل قوة نفسية، والانظلام المحمود

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

Scroll to Top