مقدمة
العلاقات الإنسانية ليست ترفًا اجتماعيًا، بل هي ضرورة فطرية وحاجة نفسية لا تستقيم حياة الإنسان بدونها، فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي لا يكتمل نموه النفسي ولا يتحقق توازنه الداخلي إلا من خلال تفاعله مع الآخرين؛ يقوّيهم ويقوونه، يتأثر بهم ويؤثر فيهم، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة أخلاقية متكاملة تنظم هذه العلاقات، وتضع لها قواعد تحفظ الحقوق، وتحقق العدل، وتمنع الظلم، وتبني مجتمعًا سليم النفس متماسك البنيان.
في مقالنا الموسوم بـ: الإنصاف والانظلام في العلاقات الإنسانية – قراءة نفسية إسلامية، والذي يستند إلى طرح علمي عميق قدّمه الدكتور خالد بن حمد الجابر – استشاري طب الأسرة والعلاج النفسي – تتجلى مجموعة من القيم النفسية والأخلاقية التي تمسّ جوهر العلاقات الإنسانية،
ومن أبرز القيم التي تناولها هذا النص النفسي العميق: قيمة الإنصاف ومفهوم الانظلام، وهما من أدق المفاهيم الأخلاقية التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في صحة الإنسان النفسية وجودة علاقاته الأسرية والاجتماعية؛ إذ يسهم الإنصاف في تحقيق العدل والتوازن بين الأطراف، بينما يوضح مفهوم الانظلام حدَّ التنازل المشروع وحدود التغافل المحمود في بناء العلاقات السليمة.
أولًا: الإنصاف في العلاقات – مفهومه وأثره النفسي
معنى الإنصاف
الإنصاف هو أن تُعطي غيرك من الحق مثل ما تحب أن يُعطى لك لو كنت مكانه، وهو من أرقى الأخلاق الإنسانية، ودليل على نضج الشخصية وقوة البناء النفسي، فالمنصف لا ينظر إلى الأمور من زاوية ذاته فقط، بل يزنها بميزان العدل والحق، ويضع نفسه موضع الآخر.
وقد قرر القرآن هذا الأصل العظيم بقوله تعالى:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)
[الأنعام: 152]. فالعدل والإنصاف مطلوبان في كل الأحوال، حتى مع القريب والمحبوب، بل وحتى مع المخالف.
الإنصاف من الأخلاق التي تبني الصحة النفسية
من المنظور النفسي الإسلامي لا تتحقق الصحة النفسية بالسعادة المادية ولا بالمشاعر الآنية فقط، بل تتحقق كذلك بالأخلاق الفاضلة، وعلى رأسها الإنصاف، فالمنصف يعيش سلامًا داخليًا؛ لأنه لا يحمل في قلبه أحقادًا ولا شعورًا دائمًا بالمظلومية، ولا يرهق نفسه بالمقارنات الجائرة، وقد قال النبي ﷺ:(أحبُّ الناسِ إلى اللهِ يومَ القيامةِ وأقربُهم منه مجلسًا إمامٌ عادل) رواه الترمذي.
والعدل هنا يشمل عدل الإنسان مع غيره ومع نفسه.
ثانيًا: من أعظم صور الإنصاف – تقدير جهود الآخرين
من أهم أنواع الإنصاف في العلاقات: تقدير الجهد المبذول وشكر الناس على ما يقدمونه ولو كان يسيرًا، فشكر الناس ليس مجرد لباقة اجتماعية، بل هو خلق عظيم له أثر مباشر في تقوية العلاقات وتحسينها، قال النبي ﷺ:(من لا يشكر الناس لا يشكر الله) رواه أبو داود.
وتقدير الجهد يشمل:
- الزوج مع زوجته
- الوالد مع أولاده
- صاحب العمل مع موظفيه
- الإنسان مع من يخدمه أو يعاونه
والتقليل من جهود الآخرين أو تجاهل عطائهم يولّد ما يسمى في النص بـ كفران العشير، وهو من أبرز أسباب المشكلات الأسرية والنزاعات الزوجية، حيث يشعر أحد الطرفين أن كل ما يقدمه غير مرئي وغير مقدَّر، وقد قال النبي ﷺ محذرًا من هذا الخلق:(أُرِيتُ النارَ فإذا أكثرُ أهلِها النساءُ… يكفرن العشير) رواه البخاري ومسلم. وكفران العشير لا يختص بالنساء فقط، بل هو وصف سلوكي يقع فيه الرجال والنساء على حد سواء.
ثالثًا: الإنصاف عند التعرض للظلم
من أعظم صور الإنصاف: أن تكون منصفًا حتى مع من ظلمك، وهذا لا يعني التنازل عن الحقوق ولا الرضا بالهوان، وإنما يعني ألا تقابل الظلم بظلم ولا الإساءة بإساءة، بل تتعامل من مقام القوة لا الضعف قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)[المائدة: 8].
ومن أعظم أدوات الإنصاف عند الظلم:
- التثبت وعدم الاستعجال في الحكم
- تقدير حجم الأذى الحقيقي دون تهويل أو تهوين
- النظر للصورة الكاملة للشخص وعدم اختزال الإنسان في خطأ واحد
وقد أرشد القرآن إلى هذا الأصل بقوله: :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا](الحجرات: 6 [ .فالإنصاف يقتضي أن نسمع جميع الأطراف وألا ننحاز للعاطفة وحدها؛ لأن كثيرًا من النزاعات لا يكون الخطأ فيها من طرف واحد فقط، بل تتوزع المسؤولية بنسب متفاوتة.
رابعًا: الإنصاف مع المخالف
الإنصاف لا يكون فقط مع الموافق بل تظهر عظمته الحقيقية مع المخالف سواء في الرأي أو الفكر أو السلوك، ومن مفاخر الإسلام أنه دعا إلى:
- حمل الكلام على أحسن المحامل
- إحسان الظن
- ترك السخرية والتشهير
- أن يكون النقد للإصلاح لا للانتقام
قال تعالى:(وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)[الحجرات: 11]
وقال ﷺ):المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره(رواه مسلم
خامسًا: الانظلام – بين المحمود والمذموم
ما هو الانظلام؟
الانظلام هو قبول الإنسان بوقوع الظلم عليه، وقد بيّن الراغب الأصفهاني – كما ورد في النص – أن الانظلام ليس كله مذمومًا، بل ينقسم إلى نوعين:
- الانظلام المحمود (التغافل)
وهو التغاضي المقصود عن بعض الحقوق من باب القوة والمروءة، لا من باب الضعف والانكسار وهذا من مكارم الأخلاق، وقد قيل: ” تسعة أعشار العافية في التغافل “
وقال النبي ﷺ:(ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا) رواه مسلم. فالتغافل أحيانًا يحفظ العلاقات ويمنع تضخم المشكلات ويعكس سمو النفس وعلو الهمة.
- الانظلام المذموم
وهو قبول الظلم:
- بدافع الضعف
- أو الخوف
- أو فقدان القدرة على الدفاع عن النفس
وهذا النوع له آثار نفسية سلبية وقد يؤدي إلى القهر الداخلي والاحتقان واضطرابات نفسية لاحقة.
قال تعالى:(لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) [النساء: 148]
فالإسلام لا يدعو إلى الاستسلام بل إلى العدل والحكمة.
خاتمة
الإنصاف والانظلام مفهومان دقيقان لا تستقيم العلاقات الإنسانية إلا بفهمهما فهمًا صحيحًا فالإنصاف دليل قوة نفسية، والانظلام المحمود دليل سمو أخلاقي، أما الظلم وكفران الجهد وسوء التقدير فهي من أعظم أسباب انهيار العلاقات واضطراب النفوس.
وكلما اقترب الإنسان من قيم العدل، والتغافل، والتقدير، والإنصاف، اقترب من الطمأنينة النفسية، وحقق التوازن الذي أراده الله لعباده.
وما أحوجنا في زمن كثرت فيه النزاعات وارتفعت فيه الاستحقاقات إلى العودة لهذه القيم العميقة، التي تجمع بين العدل والرحمة، والقوة والحكمة، والحق والإحسان. نسأل الله أن يرزقنا الإنصاف من أنفسنا، وحسن الخلق مع غيرنا، وأن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم:
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [سورة آل عمران]
المرجع:
برنامج بصائر مع د. خالد بن حمد الجابر وعبدالرحمن بن عبداللطيف الثنيان على إذاعة الرياض