احدث الإشعارات

نقد اليقظة الذهنية وتطبيقاتها العلاجية والمهنية، من منظور إسلامي

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه البيئة، تُقدَّم اليقظة الذهنية بوصفها «الجرعة اليومية من الهدوء»؛ جلسة قصيرة، تطبيق على الهاتف، دورة في بيئة العمل؛ تعطي الإنسان شعورًا بأنه يفعل شيئًا من أجل نفسه، من دون أن يغيّر البنية العميقة لحياته أو قيمه أو علاقته بالله. من هنا يصبح التيقّظ الذهني جزءًا من حلول «ترميمية» داخل نموذج حضاري محدّد، لا «حقيقة إنسانية حيادية» يُفترض تعميمها على كل السياقات.

ملخص سريع

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه البيئة، تُقدَّم اليقظة الذهنية بوصفها «الجرعة اليومية من الهدوء»؛ جلسة قصيرة، تطبيق على الهاتف، دورة في بيئة العمل؛ تعطي الإنسان شعورًا بأنه يفعل شيئًا من أجل نفسه، من دون أن يغيّر البنية العميقة لحياته أو قيمه أو علاقته بالله. من هنا يصبح التيقّظ الذهني جزءًا من حلول «ترميمية» داخل نموذج حضاري محدّد، لا «حقيقة إنسانية حيادية» يُفترض تعميمها على كل السياقات.

 

انتشرت «اليقظة الذهنية» (Mindfulness) في السنوات الأخيرة انتشارًا مندفعًا، وسوق لها باعتبارها المنتج النجْمٍ الجديد في سوق النفس والرفاه. في بداياته كان تقنيةً تأمّلية محدودة داخل بروتوكولات علاجية متخصّصة، ثم تحوّل في سنوات قليلة إلى سلعةٍ جماهيرية تُقدَّم في الشركات الكبرى، والجامعات، والمدارس، وبرامج التدريب الوظيفي، ودورات «الرفاه والنجاح»، حتى صار يُسوَّق أحيانًا بوصفه «مهارة حياة أساسية» إلى جوار القراءة والكتابة.

هذا الصعود السريع رافقته لغة دعائية عالية النبرة: وعود بتقليل القلق، وتحسين التركيز، ورفع الأداء الوظيفي، وزيادة الرضا عن الحياة، في «حزمة واحدة» جاهزة لا تحتاج – في الخطاب التسويقي على الأقل – إلى كثير تفصيل أو اشتراطات علمية ومنهجية وأخلاقية دقيقة.¹

في هذا السياق المزدحم بالوعود، نحتاج إلى نقدٍ هادئٍ منضبط، ينظر إلى التيقّظ الذهني من ثلاث زوايا:

  • الجذر العقدي والفلسفي.
  • القيمة العلاجية الحقيقية قياسًا بالعلاجات القائمة.
  • العلاقة مع البدائل الإسلامية الأصيلة في التعامل مع الألم والقلق والسكينة.

ما يأتي ملخّص موسَّع لموقفنا في «النظرية النفسية الشاملة في علم النفس الإسلامي»، مرتبًا في محاور متتابعة.

١. الأصل البوذي وشبهة فتح باب الروحانيات الشرقية

أصل التيقّظ الذهني بوذي واضح؛ المصطلح نفسه (sati) يردّ إلى التقاليد البوذية التي ترى اليقظة جزءًا من «الطريق الثماني النبيل»، مع حضورٍ قويٍّ لمفاهيم الكارما، وإعادة الولادة، وتفكيك «وهم الذات».² هذه الخلفية ليست مجرد سرد تاريخي يمكن تجاوزه، بل هي تشكّل الإطار الروحي الذي خرج منه المفهوم أصلًا.

الإشكال عندنا ليس مجرّد «أنّ الأصل غير إسلامي»، بل أنه:

  • يفتح الباب أمام تعويد الناس على مفردات وتجارب روحية من الأديان الشرقية، في صورة «تدريب نفسي» أو «تمرين استرخاء»، من دون انتباه لمحتواها الماورائي.
  • يطبِّع حضور رموز بوذية، وطقوس تأمّلية مصاحبة (وضعيات معيّنة، جلسات مع رهبان، صيغ قريبة من المانترا)، خصوصًا في بعض البرامج غير المنضبطة التي تستورد النموذج كما هو.³
  • يضعف الحسّ العقدي عند المتلقّي؛ لأنّ الممارسة تأتي مغلّفة بلغة «العلم» و«الصحة النفسية»، فيُهَوَّن خطر التلقّي الروحي من غير ميزان الوحي.

هذا مدخل واضح لإشكال عقدي. ويمكن تلمس الخطر من خلال أمثلة تطبيقية واقعية؛ مثل البرامج التي تقام في بعض الجامعات الغربية، ويُدعى إليها رهبان بوذيون لتقديم جلسات التأمّل لطلاب الطب أو العلاج النفسي ضمن مناهج «الرعاية باليقظة».

٢. العلمنة الغربية للتيقّظ وتعويض نقص الفلسفة السائدة

النسخة المتداولة اليوم في الأبحاث والبرامج العلاجية نسخة مُعلمنة من الأصل البوذي؛ تقطع الصلة الظاهرة بالكارما والتناسخ والبوذا، وتقدَّم بوصفها «انتباهًا للحظة الحاضرة، عن قصد، ومن دون أحكام».

هذه النسخة لا تظهر من فراغ، بل تقوم فعليًّا – في النموذج الغربي – بوظيفتين أساسيتين:

  • تعويض النقص في فلسفة السيطرة والتحكّم:

الفكر النفسي الغربي المعاصر يقوم – في عمومه – على إدارة الأعراض والتحكّم في السلوك والانفعال (control). اليقظة الذهنية – بنسختها المعلمنة – تقترح حركة معاكسة: «اترك التحكّم، لاحِظ فقط، لا تُقاوِم»، فتملأ فراغًا نظريًّا وشعوريًّا عند كثير من الناس الذين سئموا خطاب «الإنجاز والتحكّم» ويريدون بديلًا أكثر هدوءًا.

  • تعويض غياب السكينة والراحة الداخلية:

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه البيئة، تُقدَّم اليقظة الذهنية بوصفها «الجرعة اليومية من الهدوء»؛ جلسة قصيرة، تطبيق على الهاتف، دورة في بيئة العمل؛ تعطي الإنسان شعورًا بأنه يفعل شيئًا من أجل نفسه، من دون أن يغيّر البنية العميقة لحياته أو قيمه أو علاقته بالله.

من هنا يصبح التيقّظ الذهني جزءًا من حلول «ترميمية» داخل نموذج حضاري محدّد، لا «حقيقة إنسانية حيادية» يُفترض تعميمها على كل السياقات.

  1. الجذر الفلسفي: بوذا، نزع المعنى، والتقاطع مع الوجودية وACT

خلف النسخة المعلمنة من اليقظة توجد فلسفة أعمق؛ فلسفة بوذا في التعامل مع المعاناة.

بوذا رأى – بحسب التقاليد البوذية – أن المشكلة ليست في «سبب خارجي» يمكن تغييره، بل في التعلّق والرغبة والجهل؛ وأن الحلّ في «إطفاء التعلّق» عبر:

  • تفكيك كثير من المعاني الميتافيزيقية (حول الآلهة، الغاية النهائية، الذات الثابتة).
  • ترك سؤال «لماذا يوجد الألم؟» لصالح سؤال «كيف نطفئ التعلّق الذي يبقي الألم؟».

هذه الحركة تشبه في كثير من وجوهها الفلسفة الوجودية المعاصرة؛ حيث يعجز الإنسان عن تفسير المعاناة تفسيرًا متماسكًا، فيُنقل التركيز من سؤال «لماذا يحدث هذا؟» إلى: كيف أقبل التجربة وأخلق لها معنى ذاتيًّا محدودًا أو أتعامل معها «كما هي» بدون بحث عن غاية كبرى.

نظريّات مثل «العلاج بالتقبّل والالتزام» (ACT) تستلهم – صراحة أو ضمنًا – هذا المنحى؛ حيث التركيز على القبول، وفكّ التماهي مع الأفكار، والحضور في اللحظة. وأضافوا التحرّك نحو «القيم» التي يختارها الفرد لنفسه، من غير حديث عن غاية متعالية ثابتة للحياة والوجود.

هذا الخط الفلسفي يصطدم مباشرة مع المنظور الإسلامي الذي يربط المعاناة بأفقٍ أخروي واضح، وبعلاقة العبد بربّه، وبمفاهيم: البلاء، والتمحيص، وتكفير الذنوب، ورفع الدرجات، والجزاء العادل يوم القيامة.

  1. الخروج عن المسار العلمي والتحوّل إلى سوق استهلاكية   (McMindfulness)

على مستوى البحث العلمي، توجد دراسات جادّة تحاول تقييم برامج اليقظة الذهنية تجريبيًّا، لكن ما يحصل على الأرض في المدارس والجامعات وبيئات العمل مختلف عن صورة البحوث العلمية المنضبطة (الـ RCT ) في المجلات العلمية.

  • ظهرت في السنوات الأخيرة كتب ومقالات تتحدّث صراحةً عن ظاهرة الماكيقظة، (تعبير أمريكي عن التسليع) «McMindfulness»؛ أي تسليع اليقظة وتحويلها إلى منتجٍ سريع الاستهلاك، يُباع في دورات قصيرة، أو تطبيقات هاتفية، أو برامج شركات، بوعود واسعة للغاية، مع قليل من الحديث عن الحدود والمخاطر والضوابط.
  • تُقدَّم برامج في بعض المدارس والجامعات دون فرزٍ حقيقي للمشاركين، ودون متابعة دقيقة للآثار السلبية، وتُستخدم لغة عامة عن «تحسين الصحة النفسية والرفاه» لا تتناسب مع دقة ما لدينا من أرقام.

الخلاصة هنا أن التيقّظ الذهني انتقل – في التطبيقات الجماهيرية – من تدخّل علاجي مضبوط إلى حركة واسعة ذات طابع تجاري، وهذا يبرر التحفظ على تعميمه في بيئة مسلمة دون مراجعة نقدية جادّة.

  1. محدودية القيمة المضافة فوق العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

من المهم التفريق بين سؤالين:

  • هل لبرامج اليقظة الذهنية أثر علاجي إيجابي مقارنةً بعدم العلاج أو الرعاية الاعتيادية؟
  • وهل تضيف شيئًا واضحًا فوق ما يقدّمه العلاج المعرفي السلوكي (CBT) مثلًا؟

المراجعات المنهجية الحديثة تميل إلى النتائج الآتية بإيجاز:

مستوى القوة وأحجام الأثر ليست كما يروج لها

  • كثيرًا من الدراسات الأولى على العلاجات التي فيها مكون التيقظ MBIs كانت ذات عينات صغيرة، ومجموعات ضابطة ضعيفة، وجودة منهجية متوسطة.
  • المراجعات اللاحقة على البحوث المتأخرة، تشير إلى أن أحجام الأثر في أحسن الأحوال «صغيرة إلى متوسطة»، وقريبة من تأثيرات تدخلات نفسية أخرى، وليست «ثورة علاجية» مميّزة.

عند المقارنة المباشرة MBIs vs CBT:

  • كثير من الدراسات تُظهر أن أحجام الأثر متقاربة؛ أي MBIs ≈ CBT في الاكتئاب والقلق والضغط، من دون تفوّق ثابت لأحدهما.

عند إضافة التيقظ إلى بروتوكول علاج معرفي سلوكي مكتمل. ( (CBT + MBI vs CBT

  • لا توجد أدلّة ثابتة على أن إضافة مكوّن اليقظة الذهنية إلى برامج CBT القياسية تبني أثرًا علاجيًّا أكبر بوضوح من CBT وحده؛ غالبًا ما تكون الفروق – إن وُجدت – صغيرة وغير مستقرة، أو تظهر في سياقات جزئية محدّدة، مثل صيغ self-help البرامج الذاتية.⁹
  • هذا يعني أن التيقّظ الذهني – من حيث القوة العلاجية – لا يُظهر حتى الآن قيمة مضافة كبيرة ومستقرة فوق العلاجات المعرفية السلوكية الراسخة؛ ممّا يضع علامة استفهام على الزعم بأنه «يكمل نقصًا علاجيًّا» لا يملؤه شيء غيره.

6. البحوث في البرامج العلاجية المتكاملة، وليس فنيات تيقظ منفصلة

من الإشكالات المنهجيّة المهمّة في ضجيج اليقظة الذهنية أنّ أغلب الأدلّة البحثية المتاحة لا تتناول «فنية واحدة» معزولة اسمها التيقّظ الذهني، بل تتناول برامج علاجية متكاملة قائمة على اليقظة؛ مثل MBSR وMBCT  وغيرها، وهي حزم منظَّمة تضمّ جلسات جماعية، وتعليمًا نفسيًّا، وتمارين جسدية، وتكليفات منزلية، وإشرافًا مهنيًّا، يكون التيقّظ أحد مكوّناتها لا كلَّها. في المقابل، ما شاع في الواقع أنّ الناس – وبعض الممارسين – انتزعوا «التيقّظ» من سياقه البرنامجي، وتعاملوا معه «تقنية مستقلّة» تُمارَس في شكل تمرين تنفّس قصير أو جلسة تطبيق جوّال مدّتها دقائق معدودة، ثم تُنسَب إليها نتائج الأبحاث التي أُجريت على البرامج الكاملة. والأدلة التي أجريت على التمارين المنفردة (stand-alone mindfulness exercises)  تشير – عندما تُقارن بمجموعات ضابطة غير فعّالة – إلى آثار صغيرة إلى متوسطة وفي الغالب قصيرة الأمد على القلق والضغط والانفعال السلبي، وفي عينات غير سريرية، مع تباين في الجودة وانحياز محتمل في النشر،10 وهذا لا يكفي علميًّا لاعتبار «التيقّظ كتمرين مستقل» علاجًا رئيسيًّا يمكن تعميمه على الاضطرابات النفسية المعقّدة، ولا لتسويته بالبرامج المتكاملة التي تدور حولها معظم التوصيات الإكلينيكية.

  1. نزع المعاني وتعليق الحكم الشرعي في لحظة الألم

من الناحية الفنية، جوهر الممارسة في كثير من برامج اليقظة هو مطالبة الشخص بأن يلاحظ أفكاره وانفعالاته من دون «حكم»؛ أي من دون وصفٍ فوريٍّ لهذه الخبرة بأنها «جيدة/سيئة، عادلة/ظالمة، نِعمة/ابتلاء»، إلى آخره.

هذا قد يكون مفيدًا لتخفيف الاندماج الانفعالي السريع (مثلًا في نوبة هلع أو موجة غضب)، لكن تقديمه بوصفه «الوضع العقلي الأمثل في التعامل مع المعاناة» يصطدم مع قلب الرؤية الإسلامية للحياة؛ لأن:

  • الإسلام دين مشبع بالمعاني في كل اللحظات؛ لحظات السرور ولحظات الألم؛
  • لحظة المعاناة في التصوّر الإسلامي ليست «حدثًا حياديًّا» يُلاحَظ من الخارج، بل موضع تربية إلهية، وفتح لباب الصبر، والاحتساب، والتوكّل، والرجاء والخوف، ومراجعة النفس، وتصحيح المسار.

في لحظة الألم تحديدًا تتحرّك مفاهيم: المراقبة، المحاسبة، الصبر، الاحتساب، الرضا، التسليم، التوكّل، حسن الظن بالله… إلخ. هذه ليست «ضجيجًا معرفيًّا» نريد إسكاتَه، بل هي جزء من وظيفة الإيمان نفسه.

لذلك يكون الاعتراض هنا أن اليقظة الذهنية – بصيغتها الشائعة – ممارسة منزوعة المعاني الفوقية، تعطل المنظومة الإسلامية الغنية بالمعاني، وتستبدل بها حالة حياد مصطنع تحت عنوان «عدم الحكم».

  1. تحويل المعاناة إلى حدث حيادي يُلاحَظ

في المستوى العملي، اليقظة الذهنية – كما تُدرّس في كثير من البروتوكولات – تطلب من الإنسان أن يتعامل مع موجة الألم أو القلق أو الحزن بوصفها «تيّارًا من الأحاسيس والأفكار» يمرّ أمامه؛ يلاحظ التنفس، وتوتّر الصدر، والأفكار المصاحبة، ثم «يدعها تمرّ» دون أن يتشبّث بها.

هذا الأسلوب قد يخفف شدة الانفعال، لكنه يحمل في داخله تصوّرًا معيّنًا للمعاناة:

  • المعاناة «ظاهرة نفسية/جسدية» يجب أولًا تفكيكها إلى مكوّنات حسية ومعرفية.
  • ثم يُفضَّل التعامل معها كخبرة حيادية قدر الإمكان (لأجل تقليل التوتر).
  • ولا يُبنى عليها – في لحظة حدوثها – حكم قيمي أو معنى وجودي كبير.

الاعتراض هنا أن هذه الخطوة ليست تقنيةً حيادية فقط، بل هي – إذا تعمّقت وصارت موقفًا وجوديًّا ثابتًا – تحوِّل التجربة المؤلمة من كونها موضعًا لمعاني الصبر والاحتساب والرجاء والخوف، إلى «حدثٍ حيادي» يمارس عليه الفرد نوعًا من الفرجة الداخلية، ثم يمضي.

في المنظور الإسلامي يمكن الاستفادة من مهارات الملاحظة وتهدئة الانفعال، لكن بوصفها وسائل مساعدة، لا بوصفها «الإطار الحاكم» الذي يفرّغ الألم من معناه الشرعي.

9. مزاحمة البدائل الإسلامية الأصيلة في تحقيق السكينة

هذه النقطة ربما هي أهم النقاط. فالتيقّظ الذهني يُسوَّق بوصفه طريقًا للسكينة، وتخفيف التعلّق بالألم، والتحرّر من الاجترار الذهني، والعيش في الحاضر. لكنها ذات أصل بوذي، ومشبعة بالأصول الفلسفية، التي لا تتوافق مع المنظور الإسلامي للمعاناة وللتعامل معها. بينما في الرؤية الإسلامية، توجد منظومة متكاملة لتحقيق السكينة والطمأنينة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الصلاة بخشوعها الحقيقي.
  • الذكر المنظّم (أذكار الصباح والمساء، الأذكار النبوية المختلفة).
  • قراءة القرآن بتدبّر.
  • الدعاء عند الكرب والهم.
  • مجالس العلم، والصحبة الصالحة، والتفكّر في نعم الله وابتلاءاته.

من هنا، الإشكال ليس فقط في «عيوب اليقظة»، بل في كونها تقنية مزاحِمة قد تصرف الناس عن طرقٍ إيمانية أصيلة، وتُستورد كحلّ «مستورد» لمشكلة السكينة.،  وتصرف الباحثين عن تطوير برامج علاجية تنطلق من التصوّر الإسلامي نفسه.

نرى أن على الباحث النفسي المسلم واجبا حضاريا، أن يسعى إلى تصميم برامج معاصرة يمكن بناؤها من داخل هذا الإطار. وبحمدالله صممنا «برنامج السكينة». وهو برنامج لا يزال قيد التطوير، مكوَّن من خمس خطوات عملية. يستهدف التدريب على السكينة، في مواجهة الآلام والمعاناة العضوية والنفسية. وطُبّق هذا البرنامج في عيادة عوافي النفسية، وأظهرت إحصاءات داخلية نسبة استفادة مرتفعة من المرضى (قرابة ٨٠٪ في بعض العينات).

الخلاصة الإجمالية

يمكن تلخيص الموقف في ثلاث عبارات مترابطة:

  • الأصل البوذي محلّ شبهة:

اليقظة الذهنية خرجت من سياق بوذي واضح، ورغم علمنتها الغربية ما زالت تفتح الباب أمام روحانيات شرقية، وتؤسِّس لحياد عقدي ظاهري يخفي استبدالًا فلسفيًّا عميقًا في معنى المعاناة والسكينة.

  • نزع المعاني أو تعليقها في لحظة الألم غير مقبول إسلاميًّا:

تحويل المعاناة إلى «حدث حيادي يُلاحَظ» وتعلّق عليه الأحكام والغايات إلى وقت لاحق، يتعارض مع كون لحظة الألم في الإسلام موضعًا أساسيًا لحضور معاني الصبر، والاحتساب، والرضا، والتوكّل، ومحاسبة النفس.

  • البدائل الإسلامية قادرة – من حيث المبدأ والتجربة – على تحقيق السكينة والطمأنينة بلا هذه الإشكالات:

ما بُني على التوحيد، والذكر، والصلاة، والقرآن، وبرامج عملية منبثقة من هذا الإطار، يمكن أن يقدّم مسارًا علاجيًّا وتربويًّا متماسكًا للإنسان المسلم، دون الحاجة إلى استيراد تقنية ذات جذور بوذية، وقيمة إضافية محدودة فوق العلاجات القائمة، ومسار تطبيقي مزدحم بالضجيج التجاري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع المختصرة

  1. مقالات ومراجعات حول انتشار برامج اليقظة الذهنية في الشركات والمدارس والجامعات، ونقد ظاهرة «McMindfulness» وتسليع التأمل.
  2. أدبيات بوذية وبحوث مقارنة أديان توضّح موقع «sati / mindfulness» في الطريق الثماني النبيل والجذر البوذي للمفهوم.
  3. دراسات ميدانية وتقارير عن إدخال جلسات تأمّل ذات طابع بوذي في مناهج جامعية وبرامج تدريبية في الغرب.
  4. Van Dam, N. T. et al. (2018). Mind the Hype: A Critical Evaluation and Prescriptive Agenda for Research on Mindfulness and Meditation. Perspectives on Psychological Science.
  5. Purser, R. (2019). McMindfulness: How Mindfulness Became the New Capitalist Spirituality.
  6. مقالات في علم الاجتماع ونقد الثقافة حول استخدام اليقظة الذهنية كأداة لإدارة الضغوط في بيئات العمل بدل معالجة أسبابها البنيوية.
  7. مراجعات منهجية (meta-analyses) على MBIs في الاكتئاب والقلق والضغط، تبيّن أن أحجام الأثر صغيرة–متوسطة، وأن جودة كثير من الدراسات المبكرة متوسطة.
  8. دراسات مقارنة مباشرة بين MBCT/MBSR وCBT تُظهر تقارب أحجام الأثر في نتائج الاكتئاب والقلق.
  9. مراجعات تدرس «CBT + Mindfulness» مقابل «CBT وحده» في الاكتئاب والقلق والوقاية من الانتكاس، ولا تجد تفوّقًا ثابتًا كبيرًا عند إضافة مكوّن اليقظة.
  10. مراجعات منهجية وتحليلات تجميعية على التدخلات القصيرة وتمارين اليقظة المنفردة، والتي تقيّم أثرها على القلق والضغط والانفعال السلبي، وتنبّه إلى قِصر المتابعة وتفاوت الجودة وانحياز النشر.

3 أفكار عن “نقد اليقظة الذهنية وتطبيقاتها العلاجية والمهنية، من منظور إسلامي”

  1. د. عبداللطيف يوسف المقرن

    لقد أحسنت يا دكتور خالد بهذا الملخص الجميل …….

    الإسلام العظيم الذي من أخذه بحزم وعزم وقوة كما قال تعالى:
    { يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [سُورَةُ مَرْيَمَ: ١٢]
    فبناء شريعة الإسلام مُكمَّلة تحقق السعادة للإنسان المسلم فالصلاة على سبيل المثال من استجاب لأمر وأقامها كما أمره الله عز وجل في قوله تعالى: { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[سُورَةُ الإِسْرَاءِ: ٧٨] واعتاد اللسان والقلب في صلاته كلها وصار من الخاشعين فهم المفلحون، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } [الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }[سُورَةُ المُؤْمِنُونَ: ٢]
    والصلاة يدخلها المسلم في اليوم والليلة خمس مرات، فسوف تقوي لديه الوعي والمراقبة لسلوكة ولا يحتاج ل “بليقظة الذهنية”.
    هذه الصلاة فقط فكيف ببقية العبادات.

  2. الفرق بين اليقضة الذهنية واليقظة الايمانية انها تحوي التدبر في الايات القرآنية والتامل في الايات الكونية والاستبصار في النفس وهو مثلث اذا اكتملت اضلاعه -النفس (وفي انفسكم افلا تبصرون) والبيئة المحيطة ﴿ انظروا إلى ثمره اذا اثمر وينعه﴾ والتدبر في
    آيات القرآن ﴿ ليدبروا آياته ﴾ نَعِم الانسان بالحياة فهو يتنقل بين تأمل وتفكر الى استبصار ثم تدبر فتغشاه الطمئنينه حينما يختم هذا بذكر الله وعظمته ورحمته فيأمن ويطمئن
    الخلاصة ان التأمل استنزاف للطاقة النفسية لان المتأمل والمستخدم اليقضة الذهنية انما يجتر التأمل فتتآكل المستقبلات الحسية فهو يدور في دائرة مغلقة بين النظر والتأمل وله نتائج عكسية كما بينت بعض الدراسات https://youtu.be/qJr9UEuA-sw عكسه اليقضة الايمانية التي تتعدى حدود القدرات الذهنية لترتبط بالخالق وعظمته والبديع صنعه فترتد مغذية تلك المشاعر ليلهج لسانه ومشاعره وفكره بالتسبيح فيأنس مع من حوله ولا يتحد ليصبح مؤمنا كما جاء في الحديث المؤمن يألف ويؤلف ﴿ وأن من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾
    الشيطان لكم عدو
    المؤمن كيس فطن

  3. نجلاء إبراهيم

    جزاكم الله خيرا
    بارك الله فيكم و نفع بكم
    رحلتي في التعلم كان دائما عندي تحفظات على هذه المفاهيم منها التقبل ، عدم الحكم ، الاستحقاق …
    مصطلحات كثيرة تحتاج إلى التحرير
    الحمد لله في المحضرات والدورات التدريبية تحضرني المعاني والمفاهيم الإسلامية ، المنهج الرباني هو النبع الصافي فلما هذا البديل ونحن عندنا الأصل
    الحمدلله على نعمة الإسلام والإيمان

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

لا يجوز أن نُؤسّس ما هو مؤقت، أو نُشرعن ما هو تلفيقي، أو نُخدَع بما هو في حقيقته

اعتماد أي حقل نفسي جديد داخل الوسط العلمي ليس عملية فجائية، ولا هو قرار فردي يتخذه باحث أو

في التصور الإسلامي، الإنسان ليس مخلوقًا وظيفيًّا فقط، بل كائن مكلف، مسؤول، مجازى على فعله، مخيّر بين الهدى

الدليل الحسي، مهما بلغت دقته، لا يمكن أن ينفرد أبدًا ببناء علم نفس قوي ومتماسك. ومن يتوهم أنه

موضوعات ذات صلة

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

مقالات ذات صلة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

إن التذكر المستمر لما يتعلق بالبعد الأخروي (الآخرة) يساعد الإنسان على اختراق المسافات والأزمنة والانتقال إلى عالم آخر

تحليل نقدي للخلط الشائع بين مصطلحات التحليل النفسي (مثل الأنا واللاشعور) والمفاهيم الإسلامية (النفس الأمارة واللوامة). نستعرض أخطاء

في زمنٍ صارت فيه حيواتنا معروضة في "مختبر" المقارنات على شاشات التواصل، كيف نحرس سكينة قلوبنا من السرقة

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

Scroll to Top