احدث الإشعارات

«”مختبرات عديدة2″: دراسة التباين في قابلية التكرار عبر العينات والسياقات»

يستعرض المقال دراسة «مختبرات عديدة 2» وما كشفته من تفاوت قابلية تكرار النتائج النفسية، ويناقش حدود تعميمها على فهم الإنسان. ويطرح رؤية لبناء علم نفس إسلامي ينطلق من مرجعية الوحي، ويستفيد من البحث التجريبي والنقد العلمي والعمل الجماعي لإنتاج معرفة تراكمية.

ملخص سريع

يستعرض المقال دراسة «مختبرات عديدة 2» وما كشفته من تفاوت قابلية تكرار النتائج النفسية، ويناقش حدود تعميمها على فهم الإنسان. ويطرح رؤية لبناء علم نفس إسلامي ينطلق من مرجعية الوحي، ويستفيد من البحث التجريبي والنقد العلمي والعمل الجماعي لإنتاج معرفة تراكمية.

التلخيص

يتناول هذا المقال دراسة «مختبرات عديدة 2» لكلاين وزملائه (2018)، وهي دراسة دولية واسعة هدفت إلى فحص قابلية تكرار مجموعة من النتائج النفسية ومدى اختلاف أحجام تأثيرها عبر العينات والسياقات. أعاد المشروع اختبار 28 نتيجة منشورة في 125 عينة من 36 دولة وإقليمًا. وأظهرت النتائج أن 15 نتيجة من أصل 28 كانت دالة إحصائيًا وفي اتجاه النتيجة الأصلية وفق المعيار المعتاد، كما كانت أحجام التأثير أصغر من الدراسات الأصلية في 21 نتيجة. ووجد الباحثون أن اختلاف العينات والسياقات لم يفسر إلا قدرًا محدودًا من التباين في أحجام التأثير.

وينتقل المقال من عرض الدراسة وتحليل نتائجها إلى قراءة نقدية تناقش حدود تعميم النتائج التجريبية على الإنسان، وتفاوت قوة الدليل التجريبي، وما يترتب على ذلك من ضرورة التمييز بين المعرفة النفسية التجريبية والتصور الكلي للإنسان، وصولًا إلى سؤال المرجعية المعرفية لدى الباحث المسلم. كما يناقش إمكانية بناء نظرية نفسية إسلامية تستند في أصولها إلى الوحيين، وتفيد من التراث الإسلامي ومن مناهج البحث النفسي الحديث. وتبرز أهمية النقد العلمي والعمل البحثي الجماعي، والحاجة إلى تكاتف المتخصصين للانتقال بعلم النفس الإسلامي من الجهود الفردية إلى مشروع بحثي تراكمي منتج للمعرفة.

المقدمة

شهد علم النفس خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بمسألة قابلية تكرار نتائجه. وظهرت مشروعات بحثية واسعة أعادت اختبار نتائج منشورة في عينات وسياقات متعددة. ولم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت النتيجة النفسية ذا دلالة إحصائية في دراسة واحدة، بل امتد إلى مدى ثباتها عند إعادة اختبارها، ومقدار التغير في حجم تأثيرها، والعوامل التي يمكن أن تفسر هذا التغير.

وفي هذا السياق جاءت دراسة كلاين وزملائه (2018) «مختبرات عديدة 2: دراسة التباين في قابلية التكرار عبر العينات والسياقات » (Many Labs 2: Investigating variation in replicability across samples and settings) والتي سيُشار إليها اختصارًا في هذا المقال بـ «مختبرات عديدة 2»، التي سعى فيها الباحثون إلى معرفة مقدار اختلاف أحجام التأثير عند تكرار النتائج في عينات وسياقات متعددة، وما إذا كان هذا الاختلاف يتجاوز ما يمكن توقعه نتيجة خطأ المعاينة. كما تميز المشروع بضبط منهجي لافت، من خلال المراجعة المسبقة للبروتوكولات، والتسجيل المسبق لخطة الدراسة والتحليل، وتوثيق التعديلات والإجراءات، وإتاحة مواد المشروع وبياناته.

وتتجاوز أهمية هذه الدراسة نتائجها المباشرة حول قابلية التكرار؛ إذ تثير أسئلة أوسع حول طبيعة المعرفة النفسية التجريبية وموقعها في فهم الإنسان، وهي أسئلة تكتسب أهمية خاصة عند النظر إليها من موقع الباحث المسلم.

ومن هنا ينطلق هذا المقال من عرض دراسة «مختبرات عديدة 2» وتحليل نتائجها، ثم ينتقل إلى قراءة نقدية يبحث فيما تثيره من قضايا معرفية ومنهجية، وما يمكن أن تقدمه للباحث المسلم في سبيل بناء نظرية نفسية إسلامية تنطلق من مرجعيتها الخاصة، وتفيد من مناهج البحث النفسي الحديث.

 

المحور الأول: عرض الدراسة وتحليلها

1- إشكالية الدراسة وفكرتها المركزية

تنطلق دراسة كلاين وزملائه (2018)، ضمن مشروع «مختبرات عديدة 2»، من إشكالية مهمة: لماذا قد تتغير نتائج دراسة نفسية عند إعادة إجرائها على أشخاص آخرين أو في سياقات مختلفة؟ فقد يظهر أثر نفسي في دراسة أولى، ثم يظهر بدرجة أضعف أو أقوى، أو لا يظهر، عند إعادة اختبار النتيجة. ويُعبّر عن مقدار هذا الأثر بحجم التأثير Effect Size))، وهو مقياس إحصائي يحدد مقدار الفرق أو العلاقة التي تكشفها الدراسة. وقد يرجع اختلاف النتائج إلى خصائص المشاركين أو ظروف إجراء الدراسة، أو إلى اختلافات في تصميم الدراسات وتنفيذها. وقد ينشأ أيضًا عن خطأ المعاينة (Sampling Error)، وهو التباين العشوائي المتوقع بين النتائج المستخلصة من عينات مختلفة، حتى عندما يكون الأثر النفسي الحقيقي ثابتًا.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في علم النفس؛ إذ قد تتأثر بعض الظواهر النفسية بخصائص الأشخاص والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تُدرس فيها. ويُسمى المتغير الذي تختلف باختلافه قوة الأثر النفسي المدروس أو اتجاهه عاملًا معدِّلًا (Moderator).

ولتوضيح الفرق بين هذه المفاهيم، لنفترض أن باحثين أعادوا اختبار فاعلية برنامج نفسي في تخفيف القلق لدى المراهقين، فوجدوا أن حجم تأثيره يختلف من عينة إلى أخرى. قد يكون هذا الاختلاف مجرد تباين عشوائي متوقع بين العينات، وهو ما يُعرف بخطأ المعاينة. وقد يكون مرتبطًا بعامل معدِّل، مثل مستوى الدعم الأسري، إذا ثبت أن فاعلية البرنامج تختلف باختلاف هذا المستوى. وقد يرجع الاختلاف أيضًا إلى مشكلات في تصميم إحدى الدراسات أو إجراءات تنفيذها. ولذلك ينبه المؤلفون إلى أن مجرد اختلاف أحجام التأثير لا يكفي لإثبات وجود عامل معدِّل، فقد يكون خطأ المعاينة وحده كافيًا لتفسيره. أما إذا تجاوز الاختلاف ما يمكن توقعه نتيجة خطأ المعاينة، فينبغي البحث عن العوامل المحتملة التي قد تفسره واختبارها.

ومن هنا جاء السؤال المركزي للدراسة: إلى أي مدى تختلف أحجام التأثير عند تكرار النتائج النفسية في عينات وسياقات مختلفة؟ وهل يتجاوز هذا الاختلاف ما يمكن توقعه نتيجة خطأ المعاينة؟

وجاء مشروع «مختبرات عديدة 2» امتدادًا لمشروع سابق هو «مختبرات عديدة 1»، الذي أعاد اختبار مجموعة من النتائج النفسية عبر عينات وسياقات متعددة. وقد وسّع الباحثون في المشروع الجديد نطاق البحث ليشمل عددًا أكبر من النتائج والمختبرات وعينات أكثر تنوعًا، بما فيها نتائج كان يُتوقع أن تتأثر باختلاف العينة أو السياق.

 

2- كيف اختبر المؤلفون هذه الإشكالية؟

2-1- تصميم مشروع «مختبرات عديدة 2»

اختار كلاين وزملاؤه 28 نتيجة سبق نشرها في دراسات نفسية، ثم أعادوا اختبارها على نطاق دولي واسع. وشملت النتائج المختبرة، على سبيل المثال، ما إذا كانت صعوبة قراءة النص تزيد الميل إلى التفكير التحليلي، وما إذا كان تذكّر مخالفة أخلاقية يزيد الرغبة في التنظيف، وما إذا كانت معلومات سابقة غير مرتبطة مباشرة بالمهمة تؤثر في تقديرات الإنسان وأحكامه…

شارك في المشروع 15,305 شخصًا من 36 دولة وإقليمًا، موزعين على 125 عينة. ولأن المشروع يضم عددًا كبيرًا من التجارب، قُسّمت إلى مجموعتين تستغرق كل منهما نحو ثلاثين دقيقة، بحيث لم يُطلب من كل مشارك إجراء التجارب الثماني والعشرين جميعها. وبلغ عدد العينات المخصصة للمجموعة الأولى 64 وللثانية 61، مع مشاركة 15 موقعًا في جمع بيانات المجموعتين.

ولم تكن النتائج المختارة عينة عشوائية أو ممثلة لجميع البحوث النفسية. فقد طُرح في البداية أكثر من مئة أثر نفسي محتمل، ثم اختار الباحثون منها ما يتلاءم مع متطلبات المشروع، مع السعي إلى تنويع الآثار المختارة. كما تواصلوا مع مؤلفي الدراسات الأصلية للحصول على موادها والاستفادة من ملاحظاتهم حول كيفية تكييف الإجراءات والعوامل التي قد تؤثر في ظهور النتائج. وبعد المراجعة والتجريب الأولي استقر المشروع على 28 أثرًا.

ولإمكان المقارنة بين العينات والسياقات المختلفة، حرص الباحثون على توحيد إجراءات الاختبار قدر الإمكان، مع إجراء التعديلات اللغوية وغيرها من التعديلات الضرورية والموثقة. وبذلك أمكن مقارنة أحجام التأثير للنتيجة النفسية نفسها عبر عينات وسياقات متعددة، ودراسة مقدار التباين بينها وما إذا كان يتجاوز ما يمكن توقعه نتيجة خطأ المعاينة.

2-2- ضبط الإجراءات والشفافية المنهجية

اتبع الباحثون نموذج «التقرير المسجل» Registered Report))، فعُرضت مواد الدراسة وبروتوكولاتها على مراجعة علمية قبل بدء جمع البيانات. وبعد قبول التصميم، سُجلت خطة الدراسة والتحليل مسبقًا Preregistration))، أي إن الباحثين حددوا مسبقًا كيف ستُجرى الدراسة وكيف ستُحلل بياناتها، بدل اتخاذ هذه القرارات بعد معرفة النتائج.

كما وثّق الباحثون الاختلافات بين دراسات التكرار والدراسات الأصلية، وسجلوا التعديلات التي طرأت على الخطة المسجلة مسبقًا، بما في ذلك التغييرات في بعض التحليلات ومبرراتها. وأتاحوا أيضًا بيانات المشروع ومواده والمعلومات المكملة له للباحثين الآخرين.

وتجعل هذه الإجراءات مسار البحث أكثر وضوحًا؛ إذ يستطيع القارئ التمييز بين ما خُطط له مسبقًا وما عُدّل لاحقًا، والاطلاع على كيفية إجراء التحليلات. وتكتسب هذه الشفافية أهمية خاصة في دراسة تهدف إلى فحص قابلية النتائج النفسية للتكرار.

 

3- نتائج الدراسة وتحليل قابلية التكرار

3-1- نتائج تكرار الدراسات الأصلية

أظهرت الدراسة أن النتائج الثماني والعشرين لم تتكرر بالدرجة نفسها. فعند استخدام المعيار الإحصائي المعتاد p < .05))، كانت 15 نتيجة من أصل 28، أي 54%، دالة إحصائيًا وفي الاتجاه نفسه الذي وجدته الدراسة الأصلية. وعندما استخدم الباحثون معيارًا أكثر تشددًا

p < .0001))، بقيت 14 نتيجة، أي 50%، دالة إحصائيًا وفي الاتجاه نفسه.

ويؤكد المؤلفون أن الحكم على نجاح التكرار أو فشله لا يخضع لقاعدة إحصائية واحدة بسيطة؛ إذ قد تختلف الدلالة الإحصائية للنتيجة باختلاف حجم العينة والمعيار المعتمد. ولذلك قارنوا النتائج وفق خمسة معايير، منها معياران طُبقا على بيانات التكرار الفعلية، وثلاثة معايير قدّرت ما ستكون عليه الدلالة الإحصائية لو ظهرت أحجام التأثير نفسها في عينات بأحجام مختلفة. وقد تكررت عشر نتائج وفق جميع المعايير التي أمكن تطبيقها عليها، ولم تتكرر ثلاث عشرة نتيجة وفق أي منها، بينما اختلف الحكم على خمس نتائج بحسب المعيار المستخدم.

3-2- أحجام التأثير بين الدراسات الأصلية وعمليات التكرار

لم يقتصر الباحثون على معرفة ما إذا كانت النتائج الأصلية قد ظهرت مرة أخرى، بل قارنوا أيضًا أحجام التأثير. فالدلالة الإحصائية تساعد على تقييم الدليل الإحصائي على وجود الأثر، أما حجم التأثير فيبين مقدار هذا الأثر المقدَّر.

وأظهرت المقارنة أن حجم التأثير كان أصغر من الدراسة الأصلية في 21 نتيجة من أصل 28، أي 75%، بينما كان أكبر في 7 نتائج، أي 25%. كما كان حجم التأثير في 16 عملية تكرار، أي 57%، صغيرًا بحسب المعيار الذي استخدمه الباحثون.

وتبين هذه النتائج أن تقييم قابلية التكرار لا يقتصر على ظهور الأثر مجددًا، بل يشمل أيضًا مقدار حجمه مقارنة بالدراسة الأصلية.

3-3- أثر اختلاف العينات والسياقات في النتائج

لفحص التباين بين العينات والسياقات، قارن الباحثون أحجام التأثير للنتيجة النفسية نفسها عبر العينات المختلفة، مستخدمين عدة مقاييس إحصائية. وأظهر اختبار إحصائي للتباين أن 11 نتيجة من أصل 28، أي 39%، قدمت دليلًا على وجود اختلاف بين العينات يتجاوز ما يمكن توقعه نتيجة خطأ المعاينة وحده. لكن وجود هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أنه كبير. لذلك استخدم الباحثون مقياسًا آخر لتقدير مقداره، فأظهرت تقديرات التباين بين العينات أنه كان قريبًا من الصفر في 19 نتيجة، ومحدودًا في ثماني نتائج، وأكبر نسبيًا في نتيجة واحدة.

وعند النظر إلى النتائج مجتمعة، وجد الباحثون أن التفاوت في أحجام التأثير كان أكبر بين الآثار النفسية الثمانية والعشرين نفسها، منه بين العينات المختلفة التي اختُبر فيها الأثر الواحد. وبعبارة أخرى، كان اختلاف الأثر النفسي المدروس أكثر ارتباطًا بالتفاوت في أحجام التأثير من اختلاف العينة أو السياق الذي أُجري فيه الاختبار.

 

4– حدود الدراسة وخلاصة المؤلفين

على الرغم من اتساع مشروع «مختبرات عديدة 2» وتنوع عيناته، ينبه المؤلفون إلى أن الآثار النفسية الثمانية والعشرين لم تُختَر عشوائيًا، ولا تمثل مجمل البحوث النفسية. ولذلك لا يجوز تعميم نسب نجاح التكرار التي توصل إليها المشروع، والبالغة 54% وفق المعيار الإحصائي المعتاد و50% وفق المعيار الأكثر تشددًا، على علم النفس كله؛ فهذه النسب تخص النتائج التي اختبرها المشروع، ولا تعني أن نصف نتائج علم النفس عمومًا قابلة للتكرار أو أن نصفها الآخر غير قابل له.

كما يؤكد المؤلفون أن عدم تكرار نتيجة نفسية لا يعني بالضرورة أن الفرضية الأصلية خاطئة. فقد يرتبط ذلك باختلافات في تصميم دراسة التكرار أو إجراءات تنفيذها، أو بمشكلات في الدراسة الأصلية، مثل ضعف القوة الإحصائية أو تحيز النشر أو بعض الممارسات البحثية التي تزيد احتمال ظهور نتائج إيجابية غير موثوقة. ولم يتمكن المشروع من تحديد الأسباب الدقيقة لإخفاق كل نتيجة في التكرار، كما أن بعض هذه التفسيرات لم تكن موضع اختبار مباشر في الدراسة.

ويخلص المؤلفون إلى أن اختلاف العينات والسياقات والإجراءات لم يفسر إلا قدرًا محدودًا من التباين في أحجام التأثير التي اختبرها المشروع. ولا يعني ذلك انتفاء تأثير هذه العوامل في الظواهر النفسية، وإنما يعني أن مجرد اختلاف نتائج دراستين لا يكفي لإثبات وجود عامل معدِّل مرتبط بالثقافة أو بخصائص المشاركين أو بظروف إجراء الدراسة. فافتراض وجود مثل هذا العامل يظل فرضية تحتاج إلى اختبار مستقل ببيانات جديدة.

 

المحور الثاني: قراءة نقدية تحليلية للدراسة

بعد عرض الدراسة ونتائجها وحدودها، تنتقل الباحثة إلى قراءتها قراءة نقدية تتجاوز النتائج الإحصائية ذاتها، لتبحث فيما تثيره من أسئلة حول طبيعة المعرفة النفسية وحدود تعميمها، وما يمكن أن تقدمه للباحث المسلم في سبيل بناء نظرية نفسية إسلامية منضبطة علميًا.

 1- من محدودية التكرار إلى محدودية ادعاء الكونية في علم النفس

تدفع نتائج دراسة «مختبرات عديدة 2» إلى إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع النتائج المنشورة في علم النفس. فالدراسة النفسية قد تكشف أثرًا دالًا إحصائيًا في عينة معينة، لكن إعادة اختبار هذا الأثر قد تُظهر أنه أصغر مما بدا في الدراسة الأصلية، أو أنه لا يظهر بالوضوح نفسه. وقد رأينا في هذه الدراسة أن أحجام التأثير كانت أصغر من الدراسات الأصلية في 21 نتيجة من أصل 28. وهذا لا يبطل قيمة البحث التجريبي، ولكنه يضعه في حجمه المعرفي الصحيح: فنتيجة الدراسة الواحدة دليل بشري قابل للاختبار والمراجعة، وليست بالضرورة حقيقة نهائية عن النفس الإنسانية.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة عندما ينتقل الخطاب النفسي من وصف نتيجة محددة إلى إطلاق أحكام عامة عن الإنسان. فهناك فرق بين أن نقول: «أظهرت هذه الدراسة، في هذه العينة وتحت هذه الشروط، أثرًا معينًا»، وبين أن نستنتج من ذلك أن هذا الأثر يمثل قانونًا عامًا في النفس البشرية. وكلما اتسع نطاق التعميم، ازدادت الحاجة إلى أدلة متراكمة، وإلى تكرار النتيجة في عينات وسياقات مختلفة، وإلى التحقق من مدى ثبات حجم تأثيرها.

ومن هنا تطرح الدراسة، في قراءتها النقدية، سؤالًا يتجاوز مشكلة التكرار ذاتها: إلى أي مدى يمكن الانتقال من نتائج تجريبية جزئية وقابلة للمراجعة إلى بناء تصورات كلية عن الإنسان؟ لا تقدم دراسة «مختبرات عديدة 2» جوابًا عن هذا السؤال، ولم يكن ذلك هدفها، لكنها تكشف أن بعض النتائج النفسية المنشورة قد تتغير قوة الدليل عليها كلما اتسعت دائرة الاختبار وتراكمت الأدلة.

وهذه النقطة مهمة عند التفكير في بناء نظرية نفسية إسلامية. فالباحث المسلم لا يحتاج إلى التعامل مع ما أنتجه علم النفس المعاصر عن الإنسان باعتباره الإطار المرجعي الذي يبدأ منه، ثم يبحث بعد ذلك عن كيفية التوفيق بينه وبين التصور الإسلامي. بل ينطلق في تصوره الكلي للإنسان من مرجعيته الإسلامية، ثم ينفتح على ما يقدمه البحث النفسي التجريبي من نتائج، فيفحصها وينتفع بما يثبت منها في مجاله. فالدليل التجريبي، مهما بلغت قوته، يظل دليلًا على الظاهرة التي اختبرها وفي حدود ما تسمح به أدواته، ولا يتحول بذلك إلى مرجعية نهائية في تعريف الإنسان وطبيعته.

 

2– من تفاوت قوة الدليل التجريبي إلى سؤال المرجعية المعرفية

تكشف دراسة «مختبرات عديدة 2» أن المعرفة النفسية التجريبية معرفة تراكمية قابلة للمراجعة. فالنتيجة التي تبدو قوية في دراسة أولى قد يتغير تقدير حجمها عندما تُختبر من جديد، وقد تؤدي عمليات التكرار إلى تعزيز الثقة فيها أو تعديلها أو إضعافها. وهذه ليست نقطة ضعف في العلم، بل من صميم منهجه؛ فالأدلة العلمية نفسها ليست في درجة واحدة من القوة، وإنما تتفاوت بحسب تصميم الدراسة، وحجم العينة، وقابلية النتيجة للتكرار، وتراكم الأدلة المؤيدة لها.

ومن هنا يبرز، بالنسبة إلى الباحث المسلم، سؤال معرفي أعمق: إذا كنا نميز داخل المعرفة التجريبية نفسها بين درجات متفاوتة من قوة الدليل، فما موقع الوحي في سلم مصادر المعرفة؟ في التصور الإسلامي، لا يمثل القرآن فرضية بشرية تنتظر التكرار التجريبي حتى تكتسب اليقين، بل هو وحي يُتلقى بوصفه مصدرًا يقينيًا في ذاته. ومن ثم لا يستقيم أن تُجعل نتيجة نفسية تجريبية قابلة للمراجعة حاكمة على أصل قرآني قطعي، أو أن يعاد تأويل هذا الأصل كلما ظهرت نظرية نفسية جديدة.

 

3- المرجعية إسلامية والمنهج تجريبي: نحو بناء نفسي متكامل

تكشف دراسة «مختبرات عديدة 2» قيمة الأدوات التي طورها علم النفس المعاصر لضبط المعرفة العلمية: تكرار الدراسات، وتوسيع العينات، والتسجيل المسبق، والشفافية في عرض الإجراءات، ومقارنة أحجام التأثير. وهذه مكتسبات منهجية يمكن الإفادة منها في أي مشروع يسعى إلى بناء معرفة نفسية أكثر صرامة علمية.

وهنا يمكن التمييز بين المنهج الذي نختبر به الفرضيات، والنظرية التي ننطلق منها لفهم الإنسان. فالإفادة من أدوات البحث التجريبي لا تقتضي بالضرورة تبني جميع التصورات النظرية التي نشأت في إطار علم النفس المعاصر. ويمكن للباحث المسلم أن ينطلق من تصور إسلامي للإنسان، ثم يصوغ منه مفاهيم وفرضيات قابلة للبحث، ويختبرها بالأدوات العلمية المناسبة.

وبذلك لا يكون مشروع علم النفس الإسلامي رفضًا للمنهج التجريبي، بل استفادة من قوته في الملاحظة والقياس والاختبار والتكرار، مع الاحتفاظ بحق بناء الإطار النظري انطلاقًا من مرجعية إسلامية. وهذا يفتح الطريق أمام نظرية نفسية إسلامية لا تكتفي بنقد النظريات القائمة، وإنما تنتج فرضياتها وتعرض ما يقبل منها للاختبار العلمي.

 

4-  من النقد الداخلي لعلم النفس إلى شجاعة المراجعة في علم النفس الإسلامي

تكشف دراسة «مختبرات عديدة 2» جانبًا مهمًا في تطور علم النفس المعاصر: أن جانبًا من نقده المنهجي جاء من داخل المجتمع العلمي نفسه. فباحثون في علم النفس أعادوا اختبار نتائج منشورة في تخصصهم، ووجدوا أن عددًا منها لم يظهر بالقوة نفسها، ثم نشروا هذه النتائج وناقشوا حدودها بوضوح. ولم يُنظر إلى هذا النقد بوصفه تهديدًا للعلم، بل أداة لمراجعته وتحسين مناهجه وزيادة صرامته.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل في واقعنا العلمي الإسلامي؛ إذ قد يتحرج بعض الباحثين من نقد نظرية نفسية معاصرة خشية أن يُفهم ذلك رفضًا للعلم، مع أن العلم النفسي نفسه يمارس نقدًا داخليًا واسعًا لنتائجه ومناهجه. وليس المطلوب رفض ما أنتجه علم النفس الحديث، وإنما التعامل معه بالروح النقدية نفسها: نفحص الدليل، ونميز بين النتيجة والتفسير، وبين ما تدعمه الأدلة وما يظل قابلًا للمراجعة.

إن بناء نظرية نفسية إسلامية يحتاج إلى تجاوز موقفين متقابلين: الرفض غير العلمي لكل ما أنتجه علم النفس المعاصر، والتلقي غير النقدي له لمجرد صدوره عن مؤسسات علمية مرموقة. وبينهما طريق أكثر اتزانًا: إفادة علمية واسعة، ونقد منهجي شجاع، وبناء معرفي ينطلق من مرجعيته دون أن يتخلى عن مقتضيات البحث العلمي.

 

5- من الجهد الفردي إلى مشروع علمي جماعي

لا ينبغي أن يتوقف مشروع علم النفس الإسلامي عند نقد النظريات النفسية المعاصرة؛ فالنقد، على أهميته، لا يكفي لبناء بديل معرفي. ولعل من أبرز ما تلفت إليه دراسة «مختبرات عديدة 2» قوة العمل العلمي الجماعي؛ فقد اجتمع فيها عدد كبير من الباحثين والمؤسسات من دول متعددة، ضمن مشروع واحد شمل 125 عينة وأكثر من خمسة عشر ألف مشارك من 36 دولة وإقليمًا، وفق بروتوكولات مشتركة خضعت للمراجعة المسبقة والتسجيل المسبق، مع توثيق الاختلافات والتعديلات في إجراءات التطبيق.

وإذا كان بناء معرفة نفسية بهذه الدقة قد استدعى هذا الالتفاف الواسع للباحثين وتكامل جهودهم، فإن ذلك يدعو، عبر القراءة النقدية، إلى التساؤل: أين جهود علماء المسلمين المتكاتفة لبناء نظرية نفسية إسلامية؟ فمشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يبقى جهودًا فردية متفرقة، بل يحتاج إلى تكامل المتخصصين في علم النفس والطب النفسي والعلوم الشرعية واللغة ومناهج البحث والإحصاء.

إن الانتقال من التأصيل إلى بناء المفاهيم والنماذج، ثم إلى صياغة الفرضيات واختبار ما يقبل منها للاختبار، يحتاج إلى مشروع علمي جماعي طويل النفس. وعندها يمكن لعلم النفس الإسلامي أن ينتقل من مرحلة النقد والاجتهادات الفردية إلى برنامج بحثي تراكمي منتج للمعرفة.

خاتمة

تضعنا دراسة «مختبرات عديدة 2» أمام صورة أكثر واقعية للمعرفة النفسية التجريبية: معرفة تتقدم بالاختبار وإعادة الاختبار، وتتفاوت قوة أدلتها، وقد تتغير تقديراتها كلما اتسعت العينات وتكررت الدراسات. وهذا لا يقلل من قيمتها، بل يدعونا إلى التعامل معها بوعي يميز بين النتيجة الجزئية والتعميم، وبين الدليل التجريبي والتصور الكلي للإنسان.

وبالنسبة إلى الباحث المسلم، فإن هذا الوعي يفتح بابًا للبناء لا للرفض. فليس المطلوب استبعاد ما راكمه علم النفس من مناهج ونتائج، ولا تلقيه باعتباره الإطار الوحيد الممكن لفهم الإنسان، وإنما الإفادة منه داخل مشروع معرفي ينطلق في أصوله من الوحيين، ويفيد من التراث الإسلامي، وينتفع بمنجزات البحث النفسي الحديث فيما يقع ضمن مجاله.

ولعل الرسالة الأهم التي تتركها هذه القراءة النقدية هي أن بناء نظرية نفسية إسلامية لا يتحقق بمجرد الدعوة إليها. إنه يحتاج إلى تأصيل راسخ، ونقد علمي، وبناء نظري، وبحث تجريبي منضبط، وفوق ذلك جهود علمية جماعية تتكاتف كما تتكاتف الجهود في المشروعات النفسية الكبرى. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا نأخذ من علم النفس المعاصر وماذا نترك؟ بل: ماذا نستطيع نحن أن نبني، ونختبر، ونضيف إلى معرفة الإنسان؟

وجدير بالذكر أن اختيار هذه الدراسة لم يكن اعتباطيًا؛ فهي دراسة دولية واسعة النطاق في مجال قابلية التكرار في علم النفس، نُشرت سنة 2018 في مجلة Advances in Methods and Practices in Psychological Science، المصنفة ضمن الربع الأول (Q1) وفق تصنيفSCImago  وقد حظيت الدراسة باهتمام علمي واسع، إذ بلغ عدد الاقتباسات بها 1426 اقتباسًا علميًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرجع البحث

Klein, R. A., et al. (2018). Many Labs 2: Investigating variation in replicability across samples and settings. Advances in Methods and Practices in Psychological Science, 1(4), 443–490. https://doi.org/10.1177/2515245918810225

مؤلف البحث

ريتشارد أ. كلاين (Richard A. Klein) باحث في علم النفس، تركز أعماله على قابلية تكرار النتائج النفسية ومناهج البحث المفتوح والشفافية في البحث العلمي. ارتبط اسمه بمشروعات Many Labs، وهي مشروعات دولية متعددة المختبرات تهدف إلى إعادة اختبار نتائج نفسية منشورة عبر عينات وسياقات مختلفة. وكان المؤلف الأول والباحث المراسل في دراسة «مختبرات عديدة 2»، التي أُنجزت عند نشرها بانتساب إلى جامعة غرونوبل ألب (Université Grenoble Alpes) في فرنسا. كما شارك في دراسات أخرى واسعة النطاق حول قابلية التكرار وتحسين موثوقية البحث النفسي.

الترجمة النقدية والتحليل

الدكتورة ليلى الشريف

استشارية طب نفس الأطفال والمراهقين، وأستاذة مشاركة سابقة في كلية الطب بجامعة صفاقس – تونس، واستشارية سابقة في مستشفى الأطفال بمحافظة الطائف – المملكة العربية السعودية. متخصّصة في العلاج السلوكي المعرفي (CBT). نشرت عشرين بحثًا علميًا في مجلات علمية محكّمة. تحمل بكالوريوس في العلوم الإسلامية – تخصص القرآن الكريم وعلومه من جامعة المدينة العالمية. تركّز اهتماماتها البحثية الحالية على دراسة العلوم النفسية من منظور إسلامي.

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

موضوعات ذات صلة

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

الإنصاف والانظلام مفهومان دقيقان لا تستقيم العلاقات الإنسانية إلا بفهمهما فهمًا صحيحًا فالإنصاف دليل قوة نفسية، والانظلام المحمود

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

مقالات ذات صلة

يستعرض المقال دراسة «مختبرات عديدة 2» وما كشفته من تفاوت قابلية تكرار النتائج النفسية، ويناقش حدود تعميمها على

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تكشف كيف تؤدي المرونة غير المُفصح عنها في جمع البيانات وتحليلها إلى نتائج

يقدّم المقال قراءة نقدية لدراسة تناولت العلاقة بين التدين والروحانية والصحة النفسية، ويناقش دلالاتها للباحث المسلم والحاجة إلى

الإنصاف والانظلام مفهومان دقيقان لا تستقيم العلاقات الإنسانية إلا بفهمهما فهمًا صحيحًا فالإنصاف دليل قوة نفسية، والانظلام المحمود

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

Scroll to Top