المقدمة
العقل نعمة كبرى وميّزة جليلة اصطفى الله بها الإنسان دون سائر المخلوقات، وجعلها مناط التكليف ووسيلة التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، قال تعالى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )، ومن تمام هذا التقويم أن وهبه الله عقلًا يميّز به، ويهتدي به إلى الصراط المستقيم.
وقد أكثر القرآن الكريم من الدعوة إلى إعمال العقل في أكثر من موضع، كلّها تحثّ على التفكير والتأمل والنظر، قال تعالى: ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) وقوله: ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وقوله: ( لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
فالعقل في القرآن ليس مجرد أداة للفكر المادي، بل هو وسيلة للهداية، وسبيل للمعرفة التي تؤدي إلى الإيمان والخشية من الله. وفي إحدى حلقات برنامج بصائر وضّح الدكتور خالد بن حمد الجابر – استشاري طب الأسرة والعلاج النفسي – موضوعًا مهمًّا بعنوان المفهوم القرآني للعقل، بيّن فيه أن العقل في القرآن ليس مجرد أداة إدراك معرفي، بل منظومة متكاملة من الفهم، والتمييز، والاختيار، تضبط سلوك الإنسان وتوجّهه نحو الهداية والإيمان، وقد فصّل الدكتور خالد في مستويات العقل ووظائفه وربطه بالجانب النفسي والأخلاقي للإنسان، مما أضاء لنا أفقًا رحبًا لفهم العمق القرآني لهذا المفهوم.
أولًا: مستويات العقل في المفهوم القرآني
- العقل الإدراكي (عقل الحواس والمعرفة): وهو المرتبة الأولى التي يشترك فيها الإنسان مع غيره من المخلوقات في إدراك الواقع المحسوس، وتحليل الظواهر، واستنباط النتائج.
قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، فجعل السمع والبصر والفؤاد أدوات الإدراك، وأساس العلم والمعرفة، وهذا المستوى هو الذي يقيسه علماء النفس والذكاء في العصر الحديث، لكنه لا يُعبّر عن كمال العقل الإنساني؛ لأن العقل في المفهوم القرآني لا يقتصر على تحليل المعلومات، بل يتجاوزها إلى التمييز بين القيم والغايات.
مثال : العالم الذي يكتشف أسرار الكون، ولا يربط ذلك بعظمة الخالق، هو في نظر القرآن لم يستعمل عقله استعمالًا كاملًا، لأن العلم الذي لا يقود إلى الإيمان علم ناقص، قال تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (.
- العقل المميز (عقل الفهم الأخلاقي والإيماني): وهو العقل الذي يميّز بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال. وقد جعله القرآن غاية من غايات التفكر، قال تعالى: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (وقوله: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ). وفي السنة النبوية جاء قول النبي ﷺ: (الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ) رواه الترمذي. فالعقل الحقيقي هو الذي يُدرك أن الغاية من الحياة هي عبادة الله، لا مجرد تحصيل اللذائذ والمنافع المادية، ومن هنا نرى أن التمييز الأخلاقي والإيماني هو لبّ العقل الذي يُزكّي صاحبه ويرشده.
مثال: حين يختار الإنسان الصدق على الكذب، والعفة على الشهوة، والعدل على الظلم، فإنما يستعمل عقله الذي أودعه الله فيه ليكون دليلًا نحو الفلاح، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ).
- العقل القاصد (عقل الإرادة والاختيار): وهذا هو أرقى مستويات العقل؛ إذ يتجلى فيه الوعي بالمسؤولية والقدرة على الاختيار الحرّ، وهو مناط التكليف الشرعي. قال رسول الله ﷺ:( رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ) رواه أبو داود والترمذي. فدلّ ذلك على أن وجود العقل هو شرط لتحمل المسؤولية الشرعية.
إن هذا المستوى من العقل هو الذي يجعل الإنسان يختار طاعة الله على معصيته، ويضبط ميوله وشهواته، ويتحكم بانفعالاته، ليكون متوازنًا رشيدًا.
مثال :يوسف عليه السلام حين دُعي إلى الفاحشة قال: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ). هذا الموقف يعكس عقلًا قاصدًا رشيدًا ضبط النفس، واختار التقوى على الشهوة.
ثانيًا: العقل المثبت والعقل المنفي في القرآن
يتحدث القرآن عن نوعين من العقول:
أ. العقل المثبت
هو العقل الذي يؤدي وظيفته في الهداية والفهم والإيمان، وهو ما مدح الله به المؤمنين في قوله نعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) وقوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
فهؤلاء هم أصحاب العقول الحيّة التي ترى في الكون دلائل الخالق، وفي الحياة معنى العبادة.
ب. العقل المنفي
هو الذي عُطّل عن وظيفته الإيمانية، فانحصر في الماديات قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) وقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). فالعقل المنفي هو الذي انشغل بالمظاهر المادية دون جوهر الحقيقة، وهو ما نراه اليوم في حضارات بلغت القمر، لكنها فقدت المعنى، وضيعت البوصلة الأخلاقية والروحية.
ثالثًا: وظائف العقل في البناء الإنساني
العقل في المفهوم القرآني يؤدي وظائف متكاملة:
- الإدراك العلمي: لفهم سنن الكون وتسخيرها في عمارة الأرض
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
- التمييز القيمي والأخلاقي: لمعرفة ما يرضي الله وما يغضبه.
قال تعال: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )
- الاختيار والإرادة الحرة: ليكون الإنسان مسؤولًا عن أفعاله.
قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)
- الضبط النفسي والانفعالي: لتزكية النفس وتهذيب السلوك.
قال النبي ﷺ: (ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه.
رابعًا: العقل والحضارة بين الإيمان والمادة
يشير القرآن إلى أن الحضارات التي تبنى على العقل المادي وحده، دون عقل الإيمان، مصيرها الزوال والانهيار الأخلاقي، قال تعالى عن قوم عاد وثمود: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ*إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) ثم قال عنهم: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً(
فامتلكوا عقولًا هندسية ومعرفية عظيمة، لكنها عقول منفية عن الهداية؛ لأنها لم تقُدهم إلى الإيمان.
مثال:
قد نجد في زماننا من يبدع في علوم الفيزياء أو التقنية، لكنه لا يملك وازعًا أخلاقيًا، فيستعمل العلم في الإفساد لا في الإصلاح؛ وهذا ما حذر منه القرآن حين قال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
خامسًا: العقل والتزكية النفسية
العقل في القرآن لا ينفصل عن القلب، بل هو جزء من البنية الروحية للإنسان، ولذلك قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فالعقل هنا مرتبط بالقلب؛ لأن الإدراك العقلي الحقّ لا يتم إلا مع الإحساس الروحي والإيماني، ومن ثمّ فالعقل الذي لا يُزكّي النفس، ولا يردع الهوى، إنما هو عقل قاصر، وإن بلغ صاحبه الذكاء والمعرفة.
الخاتمة
يتضح من هذا العرض أن العقل في المفهوم القرآني ليس مجرد أداة تفكير أو تحليل، بل هو جوهر إنساني جامع بين العلم والإيمان، والفكر والأخلاق، والإدراك والإرادة، إنه نور يهدي إلى معرفة الله، ووسيلة لإعمار الأرض بالحق والعدل، فمن عطّل عقله عن هذه الوظيفة، فقد عطّل إنسانيته، ومن أحياه بالإيمان والتفكر والتزكية، فقد حقق خلافة الله في الأرض قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) وقال النبي ﷺ): يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ .( رواه البيهقي في شعب الإيمان. فالعقل في الإسلام هو طريق الحكمة، وسرّ الكرامة، وميزان الإنسانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع:
برنامج بصائر | مع الدكتور خالد بن حمد الجابر مع عبدالرحمن الثنيان – إذاعة الرياض – YouTub