منذ أن أصبحت صور الآخرين تتدفق على شاشاتنا كالسيل، تتبدّل ملامح الرضا في وجوهنا شيئًا فشيئًا، ويخفت صوت السكينة في دواخلنا. وكأنّ النفس باتت في سباقٍ لا ينتهي، تركض فيه وراء أوهامٍ مصقولةٍ بعدسات الفلاتر، تحاول أن تلحق بما ليس لها، وتخاف أن تفوتها حياةٌ ليست حياتها أصلًا. إنّها المقارنات الاجتماعية، تلك الآفة التي تتسلل خفيةً فتسرق منّا صفاء القلب قبل أن ندرك أثرها. كما يقول الدكتور خالد الجابر: “المقارنات تحدد موقعك في السعادة أكثر من القيمة الحقيقية للمال”(1).
ولعلّ الجذور العميقة لهذه الأزمة ليست في الرغبة بالمقارنة ذاتها، فذلك جزء من فطرة الإنسان حين يسعى لتقويم ذاته ومعرفة موقعه، ولكن في الانحراف الذي أصاب هذه الفطرة حين أُغرقت في بحرٍ من المقاييس المصطنعة. في الماضي، كانت المقارنة محصورة في دائرةٍ صغيرة من الجيران والأقارب، أما اليوم فقد أصبحت عالميةً بلا سقف، تتغذى على صورة، وتُشعل قلبًا بالحسد، وتطفئ آخر باليأس. وهنا يبدأ الصراع بين فطرة الإنسان التي تبحث عن النمو، وبين البيئة الاجتماعية التي تدفعه إلى الاضطراب والقلق.
وللمقارنة أثرٌ عميق ومدمر في النفس البشرية؛ فكلما ازداد تركيز الإنسان على المظاهر والماديات، قلّ رضاه وازداد قلقه. وكما يوضح الدكتور خالد الجابر: “كلما ركزت أكثر على المظاهر والاستهلاك كلما قل الرضا النفسي، وارتفع القلق والاكتئاب، وزاد الشعور بالوحدة والمقارنة الاجتماعية” (1). فكيف ينجو القلب إذًا من هذا السجن الذي أحكمنا إغلاقه على أنفسنا؟
يقدّم الإسلام ترياقًا أصيلًا لهذه العلة، رؤيةً لا تكتفي بإدانة السلوك بل تُعالج الجذر الذي أنتجه. فيأمرنا الله تعالى أن نكفّ النظر عمّا في أيدي الناس، قائلًا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. إنها دعوة للعودة إلى الداخل، إلى مصدر السكينة الحقيقي، إلى الرضا بما قسم الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس”(2).
لكن القناعة ليست انكفاءً عن الطموح، بل هي توازن بين السعي والشكر، بين الأخذ بالأسباب وعدم التعلق بها. ومن هنا يقترح الدكتور خالد استراتيجيات عملية تعين النفس على التحرر من فخ المقارنة(1):
- التربية على المفاهيم القيمية: تذكير النفس والأبناء دائمًا بأن “القيم الداخلية مقابل القيم الخارجية”، والسؤال: “هذا الصرف يخدم قيمة داخلية أم مظهر خارجي؟”.
- تأسيس مقاييس داخلية: كما يؤكد: “مقاييس التقدم الداخلية… تذكير العائلة بالشكر والنعمة دائمًا بدل مقارنة النعم بالآخرين!”.
- ممارسة “الندرة المقصودة”: وهي أن “تقسّط المتع” و”تأجيل بعض الأشياء” حتى لا ندخل في إدمان المتع المادية التي “تصبح عاجزة عن إعطائي ما أريد مع التكرار!”.
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مختبرًا واسعًا لتفشي هذه الآفة؛ إذ كما يوضح الدكتور خالد: “وسائل التواصل للأسف جعلت المقارنات مفتوحة بلا حدود… وهي مقارنات كاذبة مائة بالمائة!… لأن هؤلاء الناس الذين يظهرون في هذه الوسائل هم يعرضون واقعًا مزيَّفًا!”(1). وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: نقارن أنفسنا بصورٍ لا وجود لها في الأصل، فنخسر واقعنا الجميل في مطاردة الوهم.
التحرر الحقيقي يبدأ حين نعيد تعريف السعادة نفسها. ليست السعادة في اقتناء المزيد، بل في تعميق علاقتنا بالمعنى، في دفء الأسرة، في فعلٍ نافع، في لحظة صدقٍ مع الله. فكما يقول الدكتور خالد: “المال يحقق مستويات مرتفعة من المستوى الأول: النجاحات المادية… لكن شغله على المستوى الثاني – المشاعر اليومية والسعادة الداخلية – أقل!”، وأن “على المستويات العليا؛ الصحة والعلاقات والسكينة تصبح أكثر أهمية من المال بعد حد الكفاية”(1).
إنّ مواجهة المقارنات الاجتماعية ليست مهمةً ذهنية فحسب، بل رحلة إيمانية وعملية عميقة تُعيد ترتيب علاقتنا بالحياة. فالسعادة في الإسلام ليست انفعالًا لحظيًا بل مقامًا قلبيًا يقوم على الرضا والتسليم والسكينة. وكما ورد في المحاضرة: “السكينة تعني وتيرة مستقرة متوازنة في السعي للرزق، عمل منتظم بعيد عن الاندفاع والتهور!”(1). فحين نرضى بما قسم الله لنا، لا نفقد الطموح، بل نستعيده في صورته الصحيحة: سعيًا راشدًا متوازنًا، لا سباقًا أعمى خلف السراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(1) محاضرة الدكتور خالد الجابر: “الأسرة بين ضغط الإنفاق وسكينة التوازن” _ جمعية وئام
(2) رواه الترمذي