احدث الإشعارات

المال والسعادة: ثُنائية تبحث عن توازن

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة بضامنة للطمأنينة، بل غنى النفس وصفاؤها هو الكنز الأبدي الذي لا يفنى.

ملخص سريع

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة بضامنة للطمأنينة، بل غنى النفس وصفاؤها هو الكنز الأبدي الذي لا يفنى.

 

أليس منّا من لم يتوقف يومًا ليتسائل: كيف لي أن أسعى للرزق بكل جهدي وأنا أقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]؟ وكيف أجمع بين السعي الدؤوب واليقين بأن الأرزاق بيد الله؟

بعد أن بدأت رحلتي في فهم ثنائيات علم النفس الإسلامي(1)، أُكمل اليوم معكم التأمل في واحدة من أعمق الثنائيات التي تشغل بال الإنسان المعاصر: المال والسعادة. فمنذ بداية وعي أيٍّ منَّا بمسؤوليات الحياة. يقف متسائلًا كيف يمكن للمال أن يكون سبيلًا للسعادة وهو نفسه قد يصير مصدرًا للشقاء؟ وكيف نوفق بين السعي للرزق والطمأنينة القلبية؟

يُخطئ كثيرون حين يظنون أن السعادة في كثرة المال، فيقودهم هذا الوهم إلى متاهات من التوقعات الخادعة. فكم من غني يعيش في قصر فاخر لكن قلبه خاوٍ من الطمأنينة، وكم من فقير يملك من الرضا ما يجعله ينعم بلذة العيش. وهذا ما يؤكده الدكتور خالد الجابر(2) بقوله: “العلاقة بين المال والسعادة ليست طردية كما يتصور الكثيرون، بل هناك نقطة تحول يصبح بعدها المال مصدر قلق لا مصدر سعادة”.

المال: نعمة قد تتحول إلى نقمة

وتأكيدًا على هذه الفكرة، تشير الدراسات إلى أن المال قد يتحول إلى مصدر قلق عندما تختل موازين إدارته. فكثيرون يسقطون في فخ الاعتقاد أن زيادة الدخل تعني بالضرورة زيادة السعادة، بينما الحقيقة أن سوء إدارة المال هو ما يجعل منه مصدرًا للضغط النفسي. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: كيف نمنع تحول النعمة إلى نقمة؟

الموازنة الشرعية: بين الإفراط والتفريط

يقدم الإسلام رؤية متوازنة لهذه المعضلة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]. إنها دعوة واضحة للتوازن بين طرفي المعادلة: البخل والإسراف، التقتير والتبذير. وهذا التوازن ليس مجرد وصية أخلاقية، بل هو قانون نفسي يحقق الاستقرار الداخلي ويمنح القلب راحته.

شجرة السعادة: بين الجذور والأوراق

وفي عصر وسائل التواصل الذي نعيشه، تتفاقم أزمة المقارنات الاجتماعية التي يصفها الدكتور خالد الجابر(2) بأنها “تحدد موقع الإنسان في سلم السعادة أكثر من القيمة الفعلية لما يمتلك”. وهنا تبرز حكمة التشبيه البليغ الذي يقدمه حين يشبه السعادة بشجرة، “جذورها القيم الداخلية الراسخة، وأوراقها المظاهر الخارجية الزائلة”. فالسعادة الحقيقية لا تُبنى على متاع الدنيا الزائل، بل على القيم الثابتة والعلاقات العميقة والإيمان الراسخ. 

وهذا المفهوم يتوافق تمامًا مع ما جاء في الحديث النبوي الشريف: “قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه”(3). فالنفس المطمئنة هي التي تقتنع بما قسم الله لها، وتعلم أن السعادة الحقيقية لا تأتي من خارجها، بل تنبع من داخلها.

الجناحان: السعي والتوكل

وكما ذُكر آنفًا أننا نتزن بالجمع كما الطائر بجناحيه(1)، فإن الإنسان لا يكتمل عطاؤه إلا بالجمع بين السعي والتوكل. بين الأخذ بالأسباب والثقة بالخالق. فالسعي بالأسباب من سنن الكون، والتوكل على الله من مقومات الإيمان. وهنا تتجلى روعة المنظور الإسلامي، فهذا الجمع ليس تناقضًا، بل هو توازن عجيب يكمل به الإنسان نقصه بقوة خالقه.

الندرة المقصودة: فلسفة التعامل مع النعم

ومن الحكم العملية التي تساعد في تحقيق هذا التوازن ما يُعرف بـ”الندرة المقصودة” في التعامل مع النعم(2). فترشيد الاستمتاع بالملذات يصبح وسيلة للحفاظ على بهجتها، وكما قيل: “نعمة الغنى تظهر في حكمة الإنفاق”. وهذا المبدأ لا يعني الحرمان، بل يعني إدارة الرغبات بحكمة.

ختامًا: 

إن جمال الرؤية الإسلامية يكمن في احترامها للطبيعة البشرية المركبة، فهي لا تطلب من الإنسان التنكر لحاجاته المادية، ولا تسمح له بالانغماس فيها حتى يضيع جوهر إنسانيته. فالإنسان في المنظور الإسلامي كائن متوازن، ﴿مُتَّكِلُونَ﴾ على الله و﴿سَاعُونَ﴾ في الأرض، بهذا الجمع الحكيم تتحقق السكينة، وينعم القلب بالطمأنينة، وتتحول الحياة من صراع بين المتناقضات إلى تناغم بين المكملات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

(1) مقال: “الثنائيات في علم النفس الإسلامي، نحو رؤية أكثر إنسانية”

(2) محاضرة الدكتور خالد الجابر مع جمعية وئام: “الأسرة بين ضغط الإنفاق وسكينة التوازن”

(3) رواه مسلم

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

في زمنٍ صارت فيه حيواتنا معروضة في "مختبر" المقارنات على شاشات التواصل، كيف نحرس سكينة قلوبنا من السرقة

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر

الأزمة ليست عقبة تُسقِط الإنسان، بل منبر يعيد تشكيله. المواجهة الحقيقية للأزمة تبدأ من وعي إيماني بالابتلاء، حيث

موضوعات ذات صلة

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة

مقالات ذات صلة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

إن التذكر المستمر لما يتعلق بالبعد الأخروي (الآخرة) يساعد الإنسان على اختراق المسافات والأزمنة والانتقال إلى عالم آخر

تحليل نقدي للخلط الشائع بين مصطلحات التحليل النفسي (مثل الأنا واللاشعور) والمفاهيم الإسلامية (النفس الأمارة واللوامة). نستعرض أخطاء

في زمنٍ صارت فيه حيواتنا معروضة في "مختبر" المقارنات على شاشات التواصل، كيف نحرس سكينة قلوبنا من السرقة

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

Scroll to Top