في عالمٍ تتصادم فيه النظريات التربوية وتتعدد أنماط البُنى الأسرية، يظل السؤال عن مقومات الأسرة المستقرة واحدًا من أكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا. فالبحث عن إجابة واضحة بعيدًا عن المثالية المستحيلة والصور النمطية يُعدُّ خطوة أولى نحو بناء كيان أسري قادر على الصمود والازدهار. في هذا السياق، يقدم الدكتور خالد الجابر في لقائه رؤيةً عملية مُتزنة، تُعرف الاستقرار الأسري بأنه “تحقيق الحد الأدنى من مقومات الاستقرار بأبعاده المتعددة، دون أن يلزم اكتمال جميع الجوانب بالدرجات العليا” (1). هذا التعريف الواقعي يشكل نقطة انطلاق انطلق منها الدكتور لفهم ستة أبعاد مترابطة، هي بمثابة الدعائم الأساسية لقيام بيتٍ سليم.
1) البُعد الديني: تبدأ هذه الدعائم بالبُعد الديني، الذي لا يقف عند الممارسات الشعائرية فحسب، بل يتعداها ليكون المرجعية الحاكمة في كل صغيرة وكبيرة. فالدين هنا هو النظام الشامل الذي “تحكم به الشريعة حتى تفاصيل الحياة” (1) . هذا المنظور يُترجم عمليًا في جعل كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الفيصل عند الاختلاف، كما أمر القرآن: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩]. وبهذا تتحول الخلافات من صراع إرادات إلى بحث جماعي عن الحق، في مناخٍ تُغرس فيه الأخلاق كجزءٍ لا يتجزأ من الدين، كما يؤكد الدكتور “لأن الأخلاق جزء من الدين فلا نفصلها عنه” (1). وهذا ما أكده الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله: “الدين كله خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، زاد عليك في الدين”(2).
2) البُعد التربوي: ويلي ذلك البُعد التربوي، الذي يحمله الوالدان على عاتقهما. وأول خطواته الصحيحة هي تجاوز عقبة “رفض قبول النصيحة التربوية” التي يعتبرها الدكتور أحد المشاكل الأساسية. فالتربية الناجحة تقتضي تواضع الوالدين واستعدادهما للتعلم والمراجعة، وتأسيس بيئة منزلية قائمة على النظام الواضح الذي يوفر الأمان ويُعلم الانضباط. فالأدب والتوجيه السليم هما الأساس الذي يُنمّي شخصية الطفل ويُعزز توازنه النفسي والسلوكي. وفي هذا السياق، جاء التأكيد النبوي على قيمة الأدب في التربية: «ما نَحَلَ والدٌ ولدَه أفضلَ من أدبٍ حسن.» (3) كما أن الأسرة الواعية تدرك تأثير المحيط الخارجي، فتعمل على “التعويض” بما تزرعه من قيم وحوار هادئ داخل البيت، لمواجهة ما قد يصطدم به الأبناء في الخارج.
3) بُعد العلاقات: وهو نسيج التواصل اليومي. وامتداد لجذور الاستقرار لتشمل بُعد العلاقات الداخلية، الذي يعتمد على أمرين: الوقت المشترك والحدود الواضحة. فالتواصل الفعّال يحتاج إلى “إعطاء الأولوية لوقت الأسرة، ولو ساعة في اليوم” (1)، وهو الاستثمار العاطفي الذي تُبنى عليه الذكريات وتُحل فيه المشكلات. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هذا الحيز الآمن محميًا بسياج من الأدب يحظر “ألفاظ اللعن والشتم والسخرية الزائدة”، امتثالًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا الفاحش البذيء”(4). كما تُربى الأسرة على ثقافة المصالحة السريعة وعدم إطالة الخصام، تأسيًا بالهدي النبوي في ألا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث.
4) البُعد الاجتماعي: وهو جذور الأسرة في التربة المحيطة. لا تكون الأسرة مستقرة وهي منعزلة. صلة الأرحام وبناء شبكة اجتماعية داعمة ليس ترفًا، بل ضرورة شرعية ونفسية. وهي أمرٌ حثت عليه الشريعة لحكم عظيمة، منها تحقيق التكافل ودرء العزلة، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: ١]. وقد جاء في الحديث القدسي: «أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرَّحِم، وشققتُ لها من اسمي: فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قَطَّعته.»(5). هذه الشبكة هي سند في الأزمات، ومصدر للمشورة، ومجال لتنمية شعور الانتماء.
5) البُعد الوظيفي/المادي: أما البُعد الوظيفي والحياتي، فيركز على تحقيق “الحد الأدنى من الاستقرار المادي” والقدرة على تدبير الأمور المعيشية. فالمطلوب هو الكفاف الذي يُقيم أود العائلة (أي يكفي حاجتها ويقوم بشأنها) لا الثراء، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ”(6). والقيمة الحقيقية تكمن في “قدرة الأسرة على التعامل مع الظروف الصعبة” كالأزمات المالية أو الصحية، وهي مرونة تُبنى على قوة العلاقات ورسوخ القيم السابقة.
6) البُعد النفسي: وتتويجًا لهذه الأبعاد جميعًا، يأتي البُعد النفسي كحصيلة طبيعية وثمرة ناضجة. فالصحة النفسية لأفراد الأسرة هي “نتيجة لكل المقومات السابقة”(1). فالبيئة الآمنة والسوية لا تُخلق بقرار، بل تنبع من الممارسة اليومية المتوازنة في جميع المجالات.
غير أن الطريق قد تعتريه عقبات، وقد يظهر خلل في هذه المنظومة. وهنا يبرز دور الفرد في الانتقال من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل الإيجابي، عبر “الخروج من دور الضحية إلى دور الفاعل”(1). فالمسؤولية الشخصية عن السلامة النفسية والإصلاح هي الأساس، وهي مسؤولية أقرها الإسلام بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [فاطر: ١٨]. الإصلاح يبدأ بخطوة، وقد يكون كلمة حق أو موقفًا حازمًا، كما في الحديث: “من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه . فإن لم يستطعْ فبقلبِه . وذلك أضعفُ الإيمانِ” (7). قد يكون الخلل صادرًا عن الأب أو الأم أو أحد الأبناء، وقد يتجلى في نمط متكرر من السخرية أو الإهمال. المهم ألا تعلق في فخ “المظلومية” منتظرًا أن يبدأ الآخرون بالتغيير؛ ابدأ أنت.
وانطلاقًا من هذا المعنى، تتعدد مواقع الإنسان داخل أي خلل أسري، وتتباين مسؤوليته باختلاف موقعه؛ فقد يكون متضررًا، أو شاهدًا، أو صاحب قدرة على المبادرة بالفعل.
- فإن وجدتَ نفسك في موقع الأذى المباشر، فحافظ على سلامتك النفسية أولًا. حدد السلوك المؤذي، وقرر أن تحمي نفسك منه. هذا ليس أنانية، بل مسؤولية. فالإصلاح يبدأ بفرد قوي، لا بضحية منهكة.
- أما إن لم تكن موضع الأذى، لكنك تراه ويتكرر أمامك، فدورك لا يقل أهمية، وإن اختلف شكله، دورٌ يقوم على التنبيه بلطف وحكمة. فقد تكون كلمة طيبة، أو وقفة صادقة منك هي الشرارة التي تُعيد التوازن.
- وبين هذين الموقعين، تظل هناك قاعدة جامعة تحكم كل محاولة إصلاح ناجحة داخل الأسرة: فالإصلاح الأسري يحتاج إلى حكمة في اختيار نقطة البداية. قد تكون محادثة مباشرة مع الطرف المسيء، أو طلب مساعدة خارجية من شخص محترم (قريبًا كان، أو مختصًا). والهدف في الحالتين واحد: إصلاح الأسرة، وحماية النفس من الغرق في دوامة الخلل.
في النهاية، بناء الأسرة المستقرة ليس مشروعًا للعباقرة أو الاستثنائيين. إنه التزام يومي بتقريب ذلك “الحد الأدنى” في كل بُعد من أبعاد حياتنا معًا. هو أن نتعامل بواقعية مع أخطائنا، وبطموح مع قيمنا. هو أن ندرك أن السعادة الأسرية لا تعني غياب المشاكل، بل تعني امتلاك الأدلة العملية – الدينية، التربوية، العلاقاتية، الاجتماعية، المادية – للتعامل معها بحكمة وثبات.
وكما أن السفينة لا تبحر بمجداف واحد، فإن الأسرة لا تستقر بتركيزها على بُعد واحد وإهمال الآخر. التوازن هو سر الإبحار. توازن بين الدين والدنيا، بين الحزم والحنان، بين الحقوق والواجبات، بين التطلع للمثالية والتسامح مع واقعنا البشري الناقص.
فهلموا نبنِ بيوتنا على هذه الأرض الواسعة، لا على قمم الجبال المتعالية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- لقاء د. خالد بن الحمد الجابر مع جمعية مكارم الأخلاق بعنوان (الأسرة المستقرة).
- ابن القيم، مدارج السالكين، جـ 2.
- [أخرجه الترمذي]
- [أخرجه الترمذي]
- الترمذي، سنن الترمذي، حديث رقم 1907 (حديث قدسي صحيح في فضل صلة الرحم).
- [رواه مسلم]
- [رواه مسلم]