بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
أمّا بعد
المقدمة
رغم ما شهده علم النفس الغربي من تطورٍ لافت خلال القرن العشرين، سواء على مستوى المدارس النظرية أو المناهج العلاجية، فإن الإنسان المعاصر لا يزال يعاني من أزمةٍ عميقة في تحقيق التوازن النفسي (Bentall, 2009) .
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى ارتفاعٍ مقلق في معدلات القلق والاكتئاب، حتى في المجتمعات التي تمتلك أنظمة علاج نفسي متقدمة (World Health Organization, 2022) .
ويرى عددٌ من الباحثين أن هذه الأزمة لا يمكن تفسيرها من منظور بيولوجي أو نفسي تقني فحسب، بل ترتبط بعمقٍ بفقدان المعنى والفراغ الوجودي الذي تعيشه المجتمعات الحداثية، نتيجة علمنة المعرفة، وتهميش الغاية من الوجود، والانفصال عن القيم الروحية التي كانت تمنح للحياة مقصدًا واتجاهًا واضحًا (Frankl, 1985; Yalom, 1980; Baumeister & Vohs, 2002; Taylor, 2007; Bauman, 2000; McGrath, 2004) .
وفي هذا السياق، تُركّز كثيرٌ من المقاربات النفسية الحديثة على إدارة الأعراض وتحسين الأداء الوظيفي، أكثر من اهتمامها بالبناء النفسي العميق أو معالجة علاقة الإنسان بالكون والوجود.
ومن هنا، تنطلق إشكالية هذا المقال من سؤالٍ مركزي : هل فهم علم النفس الغربي الإنسان؟ وإن لم يكن، فهل يحمل التصور الإسلامي فهماً بديلاً؟
1) الجذور المادية لعلم النفس الغربي
نشأ علم النفس الغربي في سياقٍ فلسفي–علمي ارتبط بصعود النزعة التجريبية في أوروبا الحديثة، وتبلورت ملامحه مع الثورة العلمية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر (Leahey, 2004). وقد تأثر هذا الحقل برؤيةٍ مادية علمانية تُقصي البُعد الغيبي والروحي من مجال المعرفة النفسية، لصالح المنهج الوضعي الذي يحصر “العلم” فيما يُقاس ويُلاحظ تجريبيًا (Comte, 1853/1974; Szasz, 1974).
ومع تأسيس فيلهلم فونت لأول مختبر لعلم النفس التجريبي عام 1879، ترسخت النزعة التجريبية داخل الحقل الأكاديمي (Wundt, 1879/1973) . ثم جاءت المدرسة السلوكية، بقيادة واطسون وسكينر، لتُقصي الخبرات الداخلية لصالح دراسة السلوك الظاهري القابل للقياس (Watson, 1913; Skinner, 1953) وتعمّق هذا الاتجاه مع صعود النماذج البيولوجية والعصبية المدعومة بالتقنيات والصناعة الدوائية، مما أدى إلى تكريس رؤيةٍ اختزالية تُفكّك الإنسان إلى وظائف معرفية أو عصبية، وتُغفل أبعاده الوجودية والروحية (Bentall, 2009; Rose, 2007) .
وفي المقابل، برزت منذ منتصف القرن العشرين تيارات نقدية من داخل الغرب نفسه دعت إلى تجاوز هذا النموذج النفسي الاختزالي. ومن أبرزها طرح كارل يونغ وفيكتور فرانكل، اللذَين حذّرا من اختزال الإنسان في السلوك أو الدماغ، مؤكدَين أن الإنسان لا يكتفي بتحسين الأداء أو تجنّب الألم، بل ينشد غاية ومعنى لوجوده (Jung, 1933; Frankl, 1985).
وقد بيّن فرانكل، بوجه خاص، أن السؤال الأعمق في التكوين النفسي ليس “كيف أعيش؟”، بل “لماذا أعيش؟”، وهو سؤالٌ يستعصي على المقاربة ضمن النماذج المادية الصرفة (Frankl, 1985) .
2) أزمة المعنى: فقدان الغاية في المجتمعات الحداثية
مع تغلّب الرؤية المادية في علم النفس الغربي، وتحوّله إلى علمٍ وظيفي يركّز على الأداء والسلوك القابل للقياس، برزت أزمة وجودية حادّة، عُرفت في الأدبيات النفسية بـ ” فقدان المعنى” (Frankl, 1985; Yalom, 1980). وقد تزامن هذا التحول مع طغيان الثقافة المادية في المجتمعات الحداثية، وتراجع الدين كمرجعية كبرى، إلى جانب تفكّك البنى الاجتماعية التقليدية، مما أدى إلى تصاعد مشاعر الفراغ الوجودي والتفكك الداخلي (Taylor, 2007; Bauman, 2000) .
وتشير دراسات حديثة أن فقدان المعنى في الحياة يُعد من أبرز العوامل المرتبطة بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، في حين ترتبط القيم الروحية بتحسّن ملحوظ في الصحة النفسية عبر تعزيز الإحساس بالغاية (He et al., 2023; Główczyński et al., 2026; Preprints.org, 2025) .
واستجابةً لهذه الأزمة، ظهرت منذ مطلع القرن العشرين محاولات لإعادة إدماج البُعد الروحي والديني في فهم النفس، كان من أبرزها أعمال ويليام جيمس، الذي تناول التجربة الدينية بوصفها عنصرًا أصيلًا في التكوين النفسي (James, 1902).
ومع ذلك، فإن أغلب هذه المحاولات ظلت تدور في إطار وظيفي–علماني، يُعالج الدين كوسيلة علاجية مساعدة، دون الاعتراف به كمنظومة معرفية وروحية متكاملة تؤسّس لفهم شامل للنفس والوجود.
3) دراسات رائدة في العلاقة بين الدين والصحة النفسية
شهدت العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الأبحاث النفسية التي تناولت أثر التدين على الصحة النفسية، متجاوزة الصورة النمطية القديمة التي ربطت الدين بالتفكير اللاعقلاني. وقد أظهرت هذه الدراسات وجود علاقة إيجابية بين الالتزام الديني أو الروحي، وتحسّن مؤشرات الصحة النفسية مثل انخفاض القلق والاكتئاب، وارتفاع الرضا عن الحياة، والقدرة على التكيّف مع الضغوط (Koenig, 2012; Pargament, 1997) .
من أبرز المساهمين في هذا المجال:
- كينيث بارغامنت، الذي ركّز على “التدين كآلية تكيّف” (Religious Coping)، كما طوّر مقياسًا علميًا معتمدًا لقياس التكيّف الديني (Pargament et al., 1998).
- هارولد كونيغ، الذي راجع أكثر من ألف دراسة، وخلص إلى ارتباط التدين –خصوصًا لدى الفئات الهشة– بتحسّن ملموس في مؤشرات الصحة النفسية (Koenig, King, & Carson, 2012) .
- أندرو نيوبرغ، الذي كشف من خلال التصوير الدماغي أثر الممارسات الروحية كالصلاة والتأمل في تخفيف التوتر وتعزيز الطمأنينة العصبية (Neurotheology).
ورغم هذا الاعتراف العلمي المتزايد، فإن الدين غالبًا ما يُعامل في هذه الدراسات بوصفه أداة نفعية لتحسين التكيّف، لا كمنظومة معرفية متكاملة، ما يجعل هذا التوظيف –في الغالب– قاصرًا عن بناء تصور شمولي للنفس (Newberg & Waldman, 2009; Newberg, D’Aquili, & Rause, 2001) .
4) الاتجاهات الحديثة في علم نفس الأديان
شهد حقل علم نفس الأديان تطورًا ملموسًا خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من الهامش الأكاديمي إلى مركز الاهتمام البحثي. لم يعد مجرد مقاربة فرعية، بل أصبح تخصصًا معترفًا به يُدرّس في جامعات مرموقة، وتُنشر فيه أبحاث محكّمة تُعنى بدراسة أثر المعتقدات والممارسات الدينية على الأبعاد النفسية للإنسان، من الانفعالات والإدراك والسلوك، إلى الهوية والرفاه العام (Paloutzian & Park, 2013).
- وقد تفرعت عن هذا الحقل عدة اتجاهات بحثية، أبرزها:
- علم نفس الإيمان (Psychology of Faith) : يهتم بتطوّر الإيمان عبر مراحل الحياة والعوامل المؤثرة فيه، وتُعد نظرية “مراحل نمو الإيمان” لجيمس فاولر نموذجًا مرجعيًا في هذا المجال (Fowler, 1981) .
- التدين والتكيّف النفسي: (Religious Coping & Resilience) يركّز على أثر المعتقدات الدينية في مواجهة الأزمات والشدائد، حيث أظهرت الدراسات أن التدين الإيجابي يعزز الصمود، بينما قد يرتبط التدين السلبي بآثار نفسية عكسية (Pargament, 1997).
- الدين والهوية (Religion and Identity) : يبحث في دور الانتماء الديني في تكوين الهوية النفسية والاجتماعية، خاصة لدى الأقليات، حيث يرتبط التدين المنتظم بالاستقرار النفسي والانتماء الجمعي (Saroglou, 2011).
- الدين في الطفولة والمراهقة: يُبرز أثر الممارسات الدينية في تشكيل السلوك الأخلاقي والانضباط لدى النشء، إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال المنخرطين دينيًا أقل عرضة للسلوكيات المحفوفة بالمخاطر (King & Boyatzis, 2004).
- الدين في العلاج النفسي: يُعنى بدمج الأبعاد الروحية في الممارسة الإكلينيكية، من خلال نماذج مثل “العلاج النفسي المتكامل روحيًا” (Spiritually Integrated Psychotherapy) و”العلاج القائم على القيم” (Values-Based Therapy)، التي بدأت تُدرّس وتُطبق في عدد من المؤسسات الأكاديمية (Aten, Worthington, & Schenck, 2012) .
من أبرز النماذج العالمية التي تعكس الاعتراف الأكاديمي المتزايد بأهمية البُعد الروحي والديني في الصحة النفسية، عدد من البرامج والمراكز البحثية المرموقة في جامعات كبرى، منها:
- جامعة هارفارد: عبر برنامج الروحانية والصحة النفسية (Spirituality & Mental Health Program) بمستشفى ماكلين، ومبادرة الصحة والروحانية والدين (Initiative on Health, Spirituality, and Religion) بكلية الصحة العامة، حيث تُجرى أبحاث وتُقدّم تدريبات مهنية حول دمج البُعد الديني في الرعاية النفسية.
- جامعة ديوك: من خلال مركز الروحانية واللاهوت والصحة (Center for Spirituality, Theology and Health)، أحد أبرز المراكز البحثية عالميًا، يركّز على العلاقة بين التدين والصحة النفسية والجسدية، ويُقدّم برامج تدريبية للأخصائيين.
- جامعة كولومبيا: يضم معهد الروحانية والعقل والجسد (Spirituality Mind Body Institute) برامج دراسات عليا وأبحاثًا في أثر الحياة الروحية على النمو الشخصي والتعافي النفسي.
- جامعة الرحمة الإلهية (Divine Mercy University): من خلال معهد العلوم النفسية (Institute for the Psychological Sciences)، تُقدَّم برامج متخصصة في علم النفس من منظور ديني مسيحي تكاملي، تجمع بين الأسس العلمية والرؤية الإيمانية للإنسان.
ويُظهر هذا الحضور الأكاديمي المتنامي أن علم نفس الأديان والروحنيات لم يعد هامشًا تجريبيًا، بل أضحى حقلًا علميًا ناضجًا يسعى إلى المساهمة في فهم النفس البشرية من منظور ديني وروحي، مكملا التفسيرات السلوكية أو العصبية المحضة.
5) روحانيات بلا دين: نقد الفردانية النفسية الحديثة
5-1- اتجاهات جديدة في علم النفس: روحانيات بلا إيمان
مع تزايد الاهتمام في الأوساط النفسية الحديثة بالعوامل غير المادية في تعزيز الصحة النفسية، برز الاعتراف بأهمية البُعد الروحي كأحد المكونات المؤثرة في الرفاه النفسي والوجودي للفرد. إلا أن هذا الاعتراف غالبًا ما يتم ضمن إطار علماني وفرداني، يفصل بين الروحانية والمعتقدات الدينية المؤسسية (Zinnbauer & Pargament, 2005). وفي هذا السياق، نشأ ما يُعرف بمفهوم “الروحانية غير الدينية” (Spiritual but not Religious – SBNR)، الذي يشير إلى توجه متنامٍ، لا سيما في المجتمعات الغربية، نحو ممارسات ذات طابع تأملي وذاتي – مثل التأمل، واليوغا، والبحث عن المعنى – دون ارتباط بمنظومة عقدية متكاملة.
وقد انعكس هذا التوجه في عدد من النماذج النفسية والعلاجية المعاصرة، التي تسعى إلى تعزيز التوازن النفسي وجودة الحياة من خلال أساليب معرفية وتأملية. من أبرز هذه النماذج:
- علم النفس الإيجابي (Positive Psychology)، الذي يركّز على تنمية نقاط القوة والمعنى في الحياة، مستمدًا جذوره الفكرية من الفلسفة الإنسانية في علم النفس، ومن التصورات الأخلاقية لدى أرسطو حول الفضائل والسعادة كغايات إنسانية (Seligman & Csikszentmihalyi, 2000).
- اليقظة الذهنية (Mindfulness)، وهو أسلوب تأملي مستوحى من التقاليد البوذية، وبخاصة تأمل “فيباسانا”، وقد أعيد تقديمه في السياق الغربي بصورة علمانية من خلال برامج مثل “تقليل التوتر القائم على اليقظة” (MBSR)، التي طوّرها كابات-زين (Kabat-Zinn, 1990).
- العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy – ACT)، الذي يستند إلى نظرية الإطار العلاقي (Relational Frame Theory – RFT) لفهم اللغة والمعنى (Hayes et al., 2001)، ويستلهم مفاهيم من الفلسفات الشرقية كالبوذية (فيما يتعلق بالقبول والتركيز على الحاضر)، والفلسفة الرواقية في التعامل مع الألم والانفعالات، بالإضافة إلى تأثره بمدارس الفكر الوجودي التي تركز على القيم والمعنى في مواجهة المعاناة (Hayes et al., 1999).
تجدر الإشارة إلى أن هذه النماذج، رغم خلوّها الظاهري من الخلفيات الدينية، تُفضي غالبًا إلى تجارب ذات طابع روحي أو وجودي، وتثير نقاشًا علميًا مستمرًا حول العلاقة بين الصحة النفسية ومصادر المعنى خارج الأطر العقدية التقليدية.
5-2- حدود المقاربات الروحية العلمانية
وقد وُجّهت إلى هذا النموذج القائم على الروحانيات الغير الدينية انتقادات علمية وفلسفية جوهرية، من أبرزها:
- علمنة التجربة الروحية، حيث تُفصل الروحانية عن سياقها الغيبي والتوحيدي، وتُقدَّم في صورة تقنيات لتحسين الأداء أو تقليل التوتر، كما في برامج اليقظة الذهنية أو العلاج بالقبول والالتزام، مما يؤدي إلى تجريد التجربة الروحية من بعدها الوجودي العميق وربطها بأهداف نفعية ضيقة (Van Gordon, Shonin, & Griffiths, 2015; Shapiro et al., 2006) .
- غياب مرجعية أخلاقية غائية، حيث يتم التعامل مع القيم بوصفها خيارات ذاتية قابلة للتكيّف مع رغبات الفرد واحتياجاته اللحظية، وهو ما قد يعزز النزعة النرجسية بدلًا من التزكية، ويُعيد تعريف الخير والغاية ضمن أطر نسبية (Schnell, 2014; Wong & Tomer, 2011) .
- أثر محدود على المدى الطويل، فتشير دراسات تحليلية إلى أن هذه الممارسات –رغم نجاعتها المؤقتة في تخفيف الأعراض النفسية كالتوتر أو القلق– إلا أنها لا تُشبع الحاجة الوجودية للمعنى، ولا تُعالج الفراغ الروحي الذي تعاني منه المجتمعات المادية المعاصرة، مما يجعل أثرها محدودًا على مستوى التماسك النفسي طويل الأمد (Shapiro et al., 2006; Hayes, Strosahl, & Wilson, 2011).
وعليه، فإن هذه الأدوات – مهما بلغت من الكفاءة على المستوى الوظيفي – تظل قاصرة عن بناء تصور شمولي متكامل للإنسان؛ لأنها تُغفل العلاقة الوجودية بين الإنسان والغاية الكبرى من وجوده، وتفتقر إلى الرؤية التوحيدية التي تُعيد الإنسان إلى مركزه الحقيقي، وتربطه بمصدر الطمأنينة والثبات: الإيمان بالله.
6) نقد داخلي للنماذج النفسية الغربية
لم يقتصر النقد الموجَّه لعلم النفس الغربي على مفكرين من خارج الإطار الحضاري الغربي، بل ظهرت من داخل الأوساط الأكاديمية الغربية نفسها موجات نقدية متزايدة، تُشير إلى وجود خلل بنيوي في الأسس الفلسفية والمعرفية والمنهجية التي تأسس عليها هذا الحقل. وقد تصاعد هذا النقد خاصةً في السنوات الأخيرة، داعيًا إلى مراجعة شاملة لمكانة علم النفس كعلم، ولمدى صلاحيته في فهم الإنسان فهما شموليًا (Uher, 2021; Zagaria et al., 2020).
- أزمة الهوية العلمية:
يشير عدد من الباحثين إلى أن علم النفس يعاني من أزمة “علمية”، حيث لا يتمتع بنفس التماسك النظري أو القدرة التفسيرية التي تتمتع بها العلوم الطبيعية، كما أن محاولات التوحيد النظري ما تزال محدودة وهشة. تصف Uher (2021) هذا الوضع بأنه مأزق معرفي حاد، بينما يعتبره Zagaria et al. (2020) “عملاقًا بأقدام من طين”، في إشارة إلى هشاشة الأساس النظري رغم اتساع الممارسة التطبيقية.
- النزعة العلمانية المفرطة:
من أبرز مظاهر القصور البنيوي في علم النفس الغربي إقصاء البعد الديني والروحي من منظومة الفهم النفسي. وقد وصف عدد من الباحثين هذا التوجّه بأنه شكل من أشكال الهيمنة المعرفية الغربية، حيث يُفترض النموذج النفسي العلماني كمرجعية كونية، في تجاهل للرؤى الدينية والروحية، حتى داخل السياقات غير الغربية (Kirmayer, 2007; Shweder, 1991).
- التحيّز الثقافي وتمركز النموذج الغربي:
أشار باحثون مثل هونغ وكريستوفر إلى أن العديد من النماذج النفسية الغربية تدّعي الكونية، رغم نشأتها في بيئات فردانية وعلمانية، مما يؤدي إلى إسقاط مفاهيم غير مناسبة على مجتمعات لها مرجعيات توحيدية وهوية جماعية، مثل المجتمعات الإسلامية (Christopher & Hickinbottom, 2008; Henrich et al., 2010).
- محدودية المنهج الكمي التجريبي:
يرتكز علم النفس الغربي بدرجة كبيرة على المنهج الكمي، الذي يُعلي من قابلية القياس على حساب المعنى. وقد نبّه عدد من الباحثين إلى أن هذا المنهج يُركّز على السلوك الظاهري القابل للملاحظة، دون أن يُجيب عن الأسئلة الوجودية المرتبطة بالغاية والهوية والمصير، ما يحدّ من قدرته على سبر أغوار النفس البشرية (Slife & Williams, 1995).
- التجزئة والاختزال:
تعاني العديد من المدارس النفسية من اختزال الإنسان إلى أحد مكوّناته، وفق تصورات متباينة:
*السلوكية: تراه كائنًا استجابيًا خاضعًا للمثير والاستجابة.
*التحليلية: تركّز على الغرائز والصراعات اللاواعية.
*المعرفية: تعتبره آلة تفسير ومنطق.
*البيولوجية: تختصره في منظومة عصبية دماغية.
هذا التجزؤ يُغفل البُعد القيمي والروحي والتكليفي، ما يجعل هذه النماذج عاجزة عن تقديم رؤية تكاملية للنفس. وقد لخّص جيمس هيلمان هذا القصور بقوله: “لقد فقد علم النفس الحديث النفس ذاتها، وتحول إلى علم أعراض بدل أن يكون علم إنسان” (Hillman, 1996).
- محدودية الأثر العلاجي طويل المدى:
رغم شيوع العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، إلا أن مراجعات علمية عدّة أظهرت أن نتائجه – رغم فاعليتها المؤقتة – لا تُعالج الجذور العميقة للمعاناة النفسية، وأن نسب الانتكاس تبقى مرتفعة. كما أن التركيز على تعديل أنماط التفكير والسلوك لا يكفي لإعادة بناء التوازن النفسي، ما لم يتضمن معالجة الأسئلة الوجودية والروحية الكبرى (Wampold & Imel, 2015; Fava & Guidi, 2020).
7) ملامح علم النفس الإسلامي: نحو نموذج معرفي توحيدي
7-1- محدودية النموذج النفسي الغربي في فهم الإنسان
في ضوء ما سبق من تحليل ونقد، يتّضح أن النماذج النفسية الغربية، على الرغم من تنوّعها وتطورها، لا تزال تعاني من قصورٍ بنيوي في تصوّرها للإنسان؛ إذ تختزله في أبعاده السلوكية أو العصبية أو المعرفية، وتتجاهل عمقه الروحي وعلاقته بالخالق. ولا يقتصر أثر هذا القصور على محدودية الأثر العلاجي، بل يتجلّى في عجز المنظومة الغربية ككل عن تقديم فهم متكامل لطبيعة النفس البشرية واحتياجاتها الوجودية.
وقد بات هذا الخلل محلّ اعتراف متزايد داخل الأوساط العلمية الغربية نفسها، حيث ظهرت منذ العقود الأخيرة تيارات نقدية داخلية تُعيد النظر في الأسس الفلسفية والمنهجية التي بُني عليها علم النفس الحديث. ولم يعد الغرب موحّدًا حول نموذج واحد لفهم النفس، بل ظهرت أصوات أكاديمية تدعو إلى تجاوز الرؤية المادية الاختزالية، وإعادة الاعتبار للأبعاد الروحية.
وفي هذا الإطار، لم يعد علم نفس الدين والروحانيات حقلًا هامشيًا، بل أصبح مجالًا أكاديميًا راسخًا، تُدرّس مقرراته في جامعات مرموقة، وتُنشر فيه أبحاث محكّمة، وتُطبّق نماذجه في مراكز الصحة النفسية. ويمثل هذا التوجّه تحولًا معرفيًا تدريجيًا داخل النموذج الغربي نفسه، يقرّ بأن الإنسان لا يُفهم فهمًا كافيًا دون مراعاة البُعد الغيبي.
فإذا كان هذا النموذج غير محلّ إجماع داخل بيئته الثقافية الغربية، فكيف يُنتظر من المسلم، الذي ينطلق من مرجعية إيمانية وتصور توحيدي للإنسان والكون، أن يتّخذه أساسًا لفهم النفس الإنسانية؟ بل إن الركون إليه كمرجعية نهائية يُعدّ إغفالًا لتراث معرفي وروحي أصيل، بناه الوحي، ورعاه الأنبياء، وبلوره علماء النفس والأخلاق والتزكية في الحضارة الإسلامية عبر قرون.
7-2- التأسيس لعلم نفس إسلامي: رؤية نفسية بديلة
أمام هذا التذبذب المعرفي في النموذج النفسي الغربي، تبرز الحاجة إلى بناء إطار معرفي بديل، ينطلق من رؤية إسلامية ثابتة، ويعيد تأسيس علم النفس على أسس متجذّرة في النقل، والعقل، والحس. ولا يُقدَّم النموذج الإسلامي كردّ فعل ثقافي، أو كمحاولة لأسلمة علم مستورد، بل كمشروع علمي أصيل، يستمدّ مرجعيته من تصور شامل للإنسان: خَلقًا وتكليفًا ووظيفة.
يقدّم التصوّر الإسلامي للنفس البشرية برادايمًا معرفيًا متكاملًا، ينطلق من مرجعية إلهية، ويراعي جميع أبعاد الإنسان: الجسدية، والعقلية، والنفسية، والروحية. ويُعيد الاعتبار للبُعد الإيماني بوصفه حجر الزاوية في بناء النفس، وتربيتها، ومعالجة اختلالاتها.
إن الإصلاح الحقيقي في علم النفس لا يمكن أن يتم بمجرد تعديل الأدوات أو استعارة المناهج، بل لا بد أن ينطلق من مراجعة الأصول المعرفية التي يقوم عليها العلم نفسه، وتحديد مرجعيته الكبرى في تفسير الإنسان وسلوكه واحتياجاته. ومن هذا المنطلق، تسعى النظرية النفسية الإسلامية إلى معالجة النفس البشرية في إطار تكاملي، يشمل: التربية، والبناء النفسي، والصحة النفسية، والعلاج، في سياق منظومة علمية منضبطة بالتوحيد.
خاتمة
تعكس أزمة علم النفس الغربي المعاصر قصورًا بنيويًا في رؤيته المادية للإنسان، حيث يُقصى البعد الإيماني والروحي من فهم النفس ومعالجتها، ويُعاد اختزال الإنسان في نماذج تفسيرية جزئية، مهما بلغت من التطور التقني أو الفعالية الإجرائية. ورغم محاولات إدماج بعض المفاهيم الروحية، فإنها بقيت في الغالب محصورة ضمن أطر علمانية نفعية، عاجزة عن استيعاب الإنسان في كليّته الوجودية.
وفي المقابل، يُقدّم التصوّر الإسلامي للنفس برادايمًا متماسكًا، يُعيد وصل الإنسان بربه، ويراعي تكوينه الشامل: الجسدي، والعقلي، والنفسي، والروحي، ويؤسّس لفهم متوازن للكون والحياة والمعاناة والصحة والعلاقات. ومن هذا المنطلق، لا يُطرح علم النفس الإسلامي بوصفه إضافة جزئية أو معالجة هامشية، بل كمشروع معرفي أصيل يعيد بناء العلم من جذوره. ولسنا مطالبين باتباع الأصول القاصرة في النماذج الغربية، لكننا لا نرفض الاستفادة من فروعها النافعة، ما دامت منضبطة بثوابت التصور الإسلامي ومقاصده.
غير أن هذا البناء لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نقد علمي ورصين وشامل للنماذج النفسية السائدة، بما يسمح بإعادة صياغة علم النفس في إطار توحيدي متكامل.
وتخطو النظرية النفسية الإسلامية الشاملة خطوات علمية واعدة، لكنها تحتاج إلى ترسيخ مؤسسي ومنهجي، يُفعّلها في البحث الأكاديمي، والتعليم الجامعي، والممارسة العلاجية.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في ملاءمة النموذج النفسي مع المرجعية الإسلامية، بل في إعادة تأسيس علم النفس على رؤية توحيدية تُنصف الإنسان، وتحفظ كرامته، وتمنحه إطارًا متكاملًا للفهم والتزكية والعلاج.
____________________________________
المراجع
Aten, J. D., Worthington, E. L., Jr., & Schenck, B. E. (2012).
Hayes, S. C., Barnes-Holmes, D., & Roche, B. (2001). Relational Frame Theory: A post-Skinnerian account of human language and cognition. Plenum Press.
Hayes, S. C., Strosahl, K. D., & Wilson, K. G. (1999). Acceptance and Commitment Therapy: An experiential approach to behavior change. Guilford Press.
Henrich, J., Heine, S. J., & Norenzayan, A. (2010). The weirdest people in the world? Behavioral and Brain Sciences, 33(2–3), 61–83. https://doi.org/10.1017/S0140525X0999152X
He, X. X., et al. (2023). Meaning in life and psychological distress: A meta-analysis. Journal of Experimental Social Psychology, 104, 104420. https://doi.org/10.1016/j.jesp.2023.104420
Hillman, J. (1996). The soul’s code: In search of character and calling. Random House.
James, W. (1902). The varieties of religious experience: A study in human nature. Longmans, Green, and Co.
Jung, C. G. (1933). Modern man in search of a soul. Harcourt, Brace & World.
Kabat-Zinn, J. (1990). Full catastrophe living: Using the wisdom of your body and mind to face stress, pain, and illness. Delta.
King, P. E., & Boyatzis, C. J. (2004). Exploring adolescent spiritual and religious development. Applied Developmental Science, 8(1), 2–6. https://doi.org/10.1207/S1532480XADS0801_1
Kirmayer, L. J. (2007). Psychotherapy and the cultural concept of the person. Transcultural Psychiatry, 44(2), 232–257. https://doi.org/10.1177/1363461506070794
Koenig, H. G. (2012). Religion, spirituality, and health: The research and clinical implications. ISRN Psychiatry, 2012, Article 278730. https://doi.org/10.5402/2012/278730
Koenig, H. G., King, D. E., & Carson, V. B. (2012). Handbook of religion and health (2nd ed.). Oxford University Press.
Leahey, T. H. (2004). A history of psychology: Main currents in psychological thought (6th ed.). Pearson.
McGrath, A. (2004). The twilight of atheism: The rise and fall of disbelief in the modern world. Doubleday.
Newberg, A., D’Aquili, E. G., & Rause, V. (2001). Why God won’t go away: Brain science and the biology of belief. Ballantine Books.
Newberg, A., & Waldman, M. R. (2009). How God changes your brain: Breakthrough findings from a leading neuroscientist. Ballantine Books.
Paloutzian, R. F., & Park, C. L. (Eds.). (2013). Handbook of the psychology of religion and spirituality (2nd ed.). Guilford Press.
Pargament, K. I. (1997). The psychology of religion and coping: Theory, research, practice. Guilford Press.
Pargament, K. I., Smith, B. W., Koenig, H. G., & Perez, L. (1998). Patterns of positive and negative religious coping with major life stressors. Journal for the Scientific Study of Religion, 37(4), 710–724. https://doi.org/10.2307/1388152
Preprints.org. (2025). Gratitude, forgiveness, and spirituality: How transcendence predicts mental well-being through meaning in life. https://www.preprints.org/manuscript/202510.1646
Rose, N. (2007). The politics of life itself: Biomedicine, power, and subjectivity in the twenty-first century. Princeton University Press.
Saroglou, V. (2011). Believing, bonding, behaving, and belonging: The Big Four religious dimensions and cultural variation. Journal of Cross-Cultural Psychology, 42(8), 1320–1340.
Seligman, M. E. P., & Csikszentmihalyi, M. (2000). Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55(1), 5–14. https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.1.5
Shapiro, S. L., Carlson, L. E., Astin, J. A., & Freedman, B. (2006). Mechanisms of mindfulness. Journal of Clinical Psychology, 62(3), 373–386. https://doi.org/10.1002/jclp.20237
Shweder, R. A. (1991). Thinking through cultures: Expeditions in cultural psychology. Harvard University Press.
Skinner, B. F. (1953). Science and human behavior. Macmillan.
Slife, B. D., & Williams, R. N. (1995). What’s behind the research?: Discovering hidden assumptions in the behavioral sciences. Sage Publications.
Schnell, T. (2014). Meaning in life and well-being: The relevance of eudaimonistic theories. In A. C. Michalos (Ed.), Encyclopedia of quality of life and well-being research (pp. 3963–3967). Springer.
Szasz, T. (1974). The myth of mental illness: Foundations of a theory of personal conduct. Harper & Row.
Taylor, C. (2007). A secular age. Harvard University Press.
Uher, J. (2021). Psychology’s crisis of scientific identity. Integrative Psychological and Behavioral Science, 55, 14–43. https://doi.org/10.1007/s12124-020-09538-z
Van Gordon, W., Shonin, E., & Griffiths, M. D. (2015). Mindfulness and the four noble truths. Mindfulness, 6(4), 612–618. https://doi.org/10.1007/s12671-014-0300-y
Wampold, B. E., & Imel, Z. E. (2015). The great psychotherapy debate: The evidence for what makes psychotherapy work (2nd ed.). Routledge.
Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177.
World Health Organization. (2022, March 2). COVID-19 pandemic triggers 25% increase in prevalence of anxiety and depression worldwide. https://www.who.int/news/item/02-03-2022-covid-19-pandemic-triggers-25-increase-in-prevalence-of-anxiety-and-depression-worldwide
Wundt, W. (1973). Principles of physiological psychology (E. B. Titchener, Trans.). Arno Press. (Original work published 1879)
Yalom, I. D. (1980). Existential psychotherapy. Basic Books.
Zagaria, A., Andò, A., & Zennaro, A. (2020). Psychology: A giant with feet of clay. Integrative Psychological and Behavioral Science, 54, 521–562. https://doi.org/10.1007/s12124-020-09524-5
Zinnbauer, B. J., & Pargament, K. I. (2005). Religiousness and spirituality. In R. F. Paloutzian & C. L. Park (Eds.), Handbook of the psychology of religion and spirituality (pp. 21–42). Guilford Press