احدث الإشعارات

كيف التخلص من التذمر والتشكي: رؤية نفسية وإسلامية

يتناول المقال فكرة أساسية طرحها الدكتور خالد بن حمد الجابر في برنامج بصائر، حيث أوضح أن التذمر والتشكي والجزع ليست مجرد عادات سلوكية عابرة، بل سمات نفسية سلبية تضر بصحة الإنسان النفسية والاجتماعية، وتحرمه من الراحة والرضا.

ملخص سريع

يتناول المقال فكرة أساسية طرحها الدكتور خالد بن حمد الجابر في برنامج بصائر، حيث أوضح أن التذمر والتشكي والجزع ليست مجرد عادات سلوكية عابرة، بل سمات نفسية سلبية تضر بصحة الإنسان النفسية والاجتماعية، وتحرمه من الراحة والرضا.

المقدمة

الحياة لا تخلو من منغصات، والإنسان قد يواجه ضغوطًا ومواقف صعبة تثير في نفسه الضيق والاعتراض، فينطق بالتذمر أو يغرق في الشكوى والجزع. وهذه الصفات وإن كانت شيئًا من الجِبِلّة البشرية، إلا أن الإفراط فيها يفسد راحة القلب ويعكر صفو العلاقات، ويقود إلى القنوط والاكتئاب.
وقد جاء الإسلام بمنهج متكامل يُهذِّب النفس، ويعلّمها الصبر والرضا، كما اهتم الطب النفسي الحديث بدراسة هذه السمات السلبية وآثارها، مما يجعل الحديث عنها ضرورة لبناء شخصية متوازنة مطمئنة.

في إحدى حلقات برنامج بصائر وضح الدكتورَ خالد بن حمد الجابر – استشاري طب الأسرة والعلاج النفسي –موضوعًا في غاية الأهمية بعنوان: التذمر والتشكي وكيفية التخلص منها، وقد أوضح الدكتور أن هذه الصفات السلبية ليست مجرد سلوك عابر، بل هي أنماط نفسية تؤثر بعمق على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، وقد تتفاقم لتصير سببًا في الاكتئاب وفقدان الرضا.

وانطلاقًا من هذه الحلقة القيّمة، يحاول هذا المقال أن يقدّم معالجة علمية وشرعية لهذه الظاهرة، مع الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وطرح خطوات عملية تساعد المسلم على أن يعيش حياة أكثر طمأنينة ورضا.

أولًا: مفهوم التذمر والجزع في ضوء القرآن والطب النفسي

  • التذمر: هو الاعتراض المستمر وإظهار السخط على ما يجري في الحياة، سواء في النعم أو في البلاء.
  • التشكي: الإفراط في بث الشكوى للآخرين بصورة تجعلها طبعًا ملازمًا.
  • الجزع: رد فعل مبالغ فيه تجاه الأزمات، يتجلى في مظاهر لفظية أو حركية (كالصراخ، اللطم، السب، الانفعال الزائد)، وهو ضد الصبر وقد يقود إلى القنوط من رحمة الله. 

وقد أشار القرآن إلى طبيعة الإنسان المتقلبة فقال:﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21].

وفي علم النفس يعدّ التذمر والجزع سلوكيات غير ناضجة نفسيًا تعكس ضعف القدرة على التكيف مع الضغوط، وتزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات المزاج.

ثانيًا: صور التذمر في الحياة اليومية

  1. التذمر من النعم: يرى العطاء قليلًا ولا يرضى بما قسمه الله له.
  2. الشكوى المستمرة: في الطعام، في الجو، في الناس، حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
  3. النقد المبالغ فيه: ينتقد كل من حوله بحجة “النصيحة”، وهي في حقيقتها شهوة انتقاد.
  4. صعوبة الرضا: مهما قُدّم له من خير لا يقنع، وعينه دائمًا على ما عند الآخرين.
  5. التذمر في العلاقات: يرى أن الطرف الآخر دائمًا مقصر، فيرهق نفسه ومن حوله.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]، وهي دعوة لغض البصر عن ما عند الآخرين والاكتفاء بما وهب الله.

ثالثاً: الآثار النفسية والاجتماعية للتذمر

  • على النفس: يولّد الإحباط، ويزيد من فرص الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق.
  • على الأسرة: إذا كان الأب أو الأم متذمرًا أورث الأبناء القلق والشعور بعدم الرضا.
  • على بيئة العمل: المدير المتذمر يصنع جوًا خانقًا يقتل الإبداع ويزيد الاحتقان.
  • على الإيمان: قد يقود التذمر المستمر إلى ضعف اليقين، وربما يصل بصاحبه إلى سوء الظن بالله.

قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11].

رابعًا: التوجيهات الشرعية للوقاية والعلاج

  1. الصبر والرضا: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127].
  2. التسليم لأمر الله: قال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)رواه مسلم.
  3. الاعتدال في الانفعال: أباح الشرع البكاء والحزن الطبيعي، ونهى عن مظاهر الجزع كاللطم وشق الجيوب. قال ﷺ: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) (رواه البخاري.
  4. النظر إلى نعم الله: قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].

خامسًا: خطوات عملية للتخلص من التذمر

  1. الوعي الذاتي: مراقبة النفس واكتشاف لحظات الاعتراض والشكوى.
  2. التدرج في الإصلاح: التغيير يحتاج وقتًا، فلا يُطلب الكمال بل التحسن المستمر.
  3. ممارسة الامتنان اليومي: تسجيل ثلاث نعم يومية يشعر بها الإنسان.
  4. تحويل النقد إلى نصح بنّاء: اختيار ألفاظ طيبة تفتح القلوب.
  5. ضبط الانفعالات: بالتدرب على التنفس العميق والتفكير قبل رد الفعل.
  6. طلب المساعدة العلاجية: عند العجز عن التحكم، يُنصح بالاستعانة بالاستشارات النفسية أو البرامج العلاجية.

الخاتمة

إن التخلص من التذمر والتشكي ليس رفاهية، بل هو طريق إلى السكينة النفسية، وحسن العلاقة مع الناس، وعلو المنزلة عند الله. المؤمن الحق يجمع بين الاعتراف بضعفه الإنساني وبين تدريب نفسه على الصبر، مستحضرًا قوله تعالى:﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156].

فالرضا بالقضاء واليقين بحكمة الله هما السبيل إلى حياة هادئة مطمئنة، بعيدة عن التذمر والجزع.

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

العقل في الإسلام ليس مجرد أداة إدراك مادي، بل قوة هادية تجمع بين التفكير والإيمان والأخلاق. يوضح المقال

يتناول هذا المقال مفهوم الوزنية النفسية أو ما يُعرف بـ الميزان النفسي، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التوازن

الإسلام جاء بمنهج التوازن والاعتدال، فلا يُطلب من كل إنسان أن يكون خطيبًا بارعًا أو متحدثًا لا يتلعثم،

يتناول هذا المقال بأسلوب توعوي مشوّق كيف يمكن للإنسان أن يواجه ظروف الحياة القاسية بعقلية متزنة ونفس مطمئنة.

استكشف المجالات والشعارات

موضوعات ذات صلة

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

مقالات ذات صلة

فحين يقول القرآن للكافرين ائتوني بكتاب من قبل هذا، فهو يقول لهم بلغة المنهج: هل عندكم وثيقة مقابلة؟

تسعى هذه الترجمة النقدية إلى إبراز أهم أفكار مقال بيكيرسغيل، وتحليلها بما يكشف الحاجة إلى نظرية نفسية شاملة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

إن التذكر المستمر لما يتعلق بالبعد الأخروي (الآخرة) يساعد الإنسان على اختراق المسافات والأزمنة والانتقال إلى عالم آخر

تحليل نقدي للخلط الشائع بين مصطلحات التحليل النفسي (مثل الأنا واللاشعور) والمفاهيم الإسلامية (النفس الأمارة واللوامة). نستعرض أخطاء

Scroll to Top