بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
أمّا بعد
مقدمة
في ظل الحاجة المتزايدة إلى تطوير نظرية نفسية إسلامية شاملة، تبرز ضرورة مراجعة النماذج النفسية الغربية، لا من منطلق الرفض الأيديولوجي، بل من خلال تفكيكها ونقدها من الداخل. وفي هذا السياق، يقدّم البروفيسور البريطاني في علم النفس الإكلينيكي، ريتشارد بينتال، قراءةً نقديةً جذريةً وجريئةً في كتابه “علاج العقل: هل طرقنا الحالية في معالجة الأمراض النفسية فعّالة حقًا؟” (Doctoring the Mind: Is Our Current Treatment of Mental Illness Really Any Good؟)، يدعو فيها إلى تبنّي نموذج أكثر إنسانية وتكاملًا في فهم الاضطرابات النفسية وعلاجها. ويمثّل هذا الكتاب منطلقًا ثريًا لإعادة النظر في الأسس المعرفية والمنهجية للطب النفسي المعاصر، وهي مراجعة استندت إليها الباحثة لتُبرز من خلالها أهمية الرؤية الإسلامية كبديل شمولي في التصوّر الإسلامي للنفس.
1- بين الإصلاح والمعاداة: موقع بنتال في الجدل النفسي المعاصر
يطرح بنتال في هذا الكتاب سؤالًا محوريًا: “هل أحدث الطب النفسي الحديث أي أثر إيجابي حقيقي على رفاه الإنسان؟” ولإجابة هذا السؤال، يتناول بالنقد الجذري جملة من الركائز الكبرى للطب النفسي الغربي، وعلى رأسها:
– النزعة البيولوجية المفرطة في تفسير الاضطرابات النفسية.
– المبالغة في اعتبار الجينات سببًا مباشرًا للمرض النفسي.
– هيمنة شركات الأدوية على البحث والعلاج.
– التهميش المنهجي للعوامل الاجتماعية والنفسية والتجريبية.
– ضعف الأساس المعرفي لكثير من النظريات النفسية.
– الطابع الاصطناعي والمعياري للتصنيفات النفسية.
على الرغم من المنهجية العلمية الواضحة في الكتاب، كثيرًا ما يُساء تصنيفه ضمن خطاب “مناهضة الطب النفسي”، بينما هو في الحقيقة يمثّل ما يمكن تسميته بـ “المراجعة العقلانية من داخل المؤسسة النفسية” (Kecmanović, 2010). وتُعزّز قيمة الكتاب مراجعات علمية متعددة تناولته بالتحليل والنقد (Adams, 2010; Foschi, 2010; Kecmanović, 2010; Miller, 2010; Quadrio, 2010; Read, 2010)، من بينها مراجعة نُشرت على منصة الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) (Helm, 2010)، أكّدت وجاهة التساؤلات التي يطرحها بينتال في كتابه.
وهنا تشير الباحثة إلى مفارقة لافتة: إذا كان النقد الحاد للطب النفسي يُطرح من داخل الغرب نفسه، ويجد مساحة للنشر والمناقشة في أرقى المؤسسات الأكاديمية الغربية، فلماذا يُقابَل الباحث المسلم حين يوجّه نقدًا مشابهًا باتهامات جاهزة من قبيل «من أنتم حتى تنتقدوا علم النفس الغربي؟». إن هذه المفارقة تكشف عن الحاجة إلى الاعتراف بدور الباحث المسلم لا بوصفه تابعًا للمنظومة الغربية أو مجرد مقلّد لها، بل باعتباره مؤصّلًا لمعرفة نفسية تنبع من أصوله الدينية والثقافية، وتراعي خصوصية مجتمعه وحاجاته، مع الاستفادة النقدية من المنجزات العلمية الغربية المعاصرة.
2- نقد النموذج البيولوجي: من الدماغ إلى الجينات
2-1- الإنسان أكثر من دماغ
ينتقد ريتشارد بنتال النزعة الاختزالية في الطب النفسي المعاصر، التي تختزل الاضطرابات النفسية إلى مجرد “أمراض دماغية” أو “اختلالات كيميائية”. ويؤكد أن المشكلة ليست في غياب الأدلة البيولوجية، بل في إساءة تفسيرها ضمن إطار طبي-حيوي ضيق لا يفسر حقيقة الظواهر النفسية. وتبين الأبحاث التي يستعرضها أن التجارب الحياتية، مثل الصدمات المبكرة، والظلم، والحرمان الاجتماعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بظهور الأعراض الذهانية، وأن تجاهل هذا البعد يؤدي إلى قصور في التشخيص والعلاج.
2-2- الأدوية النفسية – وهم “التوازن الكيميائي“
يفنّد ريتشارد بنتال ما يُعرف بـ “فرضية الخلل الكيميائي” التي طالما رُوّجت باعتبارها السبب الرئيسي للاكتئاب والاضطرابات النفسية. ويبين أن الأدلة العلمية لا تدعم هذا التفسير التبسيطي، إذ تُظهر دراسات عدة أن الفارق بين تأثير مضادات الاكتئاب ومفعول الدواء الوهمي (Placebo) ضئيل جدًا، وأحيانًا لا يبلغ مستوى الدلالة الإحصائية.
ويحذر بنتال من الترويج غير المسؤول للأدوية النفسية، خاصة في ظل الدور الذي تلعبه شركات الأدوية في تمويل الأبحاث والتأثير على نتائجها، بما يؤدي إلى تضخيم فعالية العقاقير لأهداف تجارية.
2-3- تفكيك أسطورة الجينات
يوضح ريتشارد بنتال أن الاعتقاد السائد بأن الاضطرابات النفسية هي أمراض وراثية محضة ليس حقيقة علمية راسخة، بل أقرب إلى أسطورة مبسطة وشائعة. ويرى بنتال أن اختزال الاضطرابات النفسية في “جينات معطوبة” يُمثّل تبسيطًا مضلّلًا، يتجاهل التعقيد الحقيقي الذي يتضمّن تفاعل العوامل البيولوجية مع السياقات النفسية والاجتماعية والبيئية.
فمع إقراره بوجود دور للعوامل الوراثية في زيادة قابلية الإصابة ببعض الاضطرابات، إلا أن هذا الدور، في رأيه، أقل بكثير مما يُفترض عادة في البحوث النفسية السائدة. كما يشير بنتال إلى أن معظم الدراسات الجينية في هذا المجال تعاني من مشكلات منهجية كبيرة، مثل ضعف القدرة على تكرار النتائج، وتضاربها، واعتمادها على تشخيصات غير دقيقة أو متباينة. ولهذا، فإن تقديرات “الوراثة” التي تقدمها هذه الدراسات قد تكون مشوَّهة أو مضخَّمة بسبب هشاشة الأساس التشخيصي.
2-4- المنظور الإسلامي: بديل شمولي يتجاوز الاختزال البيولوجي
يهاجم بينتال البنية المعرفية السائدة التي تضع الجينات والاختلالات البيولوجية في مركز التفسير، ويصف هذا التوجّه بما يسمّيه “الخطأ الأساسي للطب النفسي“ (the fundamental error of psychiatry)، حيث يُقدَّم الدماغ بوصفه المستوى التفسيري الأساسي، بينما تُهمَل العوامل النفسية والاجتماعية.
تغتنم الباحثة هذه الانتقادات لتبيّن أن الرؤية الإسلامية تنظر إلى الإنسان بوصفه كيانًا متكاملًا تتفاعل فيه الأبعاد المختلفة: العقل، والروح، والنفس، والجسد، دون إغفال لأي جانب أو تضخيم لآخر. كما أن النظرية النفسية الإسلامية الشاملة ترفض حصر الإنسان في جَبْرِيَّةِ بِيُولوجيته، بحيث يُختزل إلى مجرد جينات وميكانزمات وتفاعلات، أشبه بآلة فاقدة للإرادة، تستجيب لأفكارها ومشاعرها دون بعدٍ روحي أو أخلاقي يوجّهها.
3- العلاقة العلاجية كمصدر للشفاء
يركّز بينتال على أهمية التحالف العلاجي (therapeutic alliance) كعنصر أساسي في عملية الشفاء، مؤكدًا أن فعالية العلاج لا تتعلّق فقط بالتقنيات أو النظريات، بل بجودة العلاقة بين المعالج والمريض. ويركّز على أهمية شخصية المعالج أكثر من المتغيرات النظرية العامة. كما يشيد بممارسات مثل “الحوار المفتوح“ (Open Dialogue) كنموذج فعّال يتجاوز الطب النفسي التقليدي.
يؤكد بنتال أن العلاج الحقيقي يجب أن يستند إلى فهم القصة الذاتية للمريض، وأن أنظمة التصنيف مثل DSM تُسقِط المريض من ذاته وتجربته الخاصة، وتحوله إلى كود تشخيصي لا يحمل أي دلالة معنوية أو إنسانية.
وهنا، تستثمر الباحثة هذه الانتقادات لتؤكد أن النظرية النفسية الإسلامية الشاملة لا تكتفي بالاهتمام بالعلاقة العلاجية، بل تعيد صياغتها لتكون أكثر عمقًا واتساعًا؛ فهي لا تقتصر على الارتباط بالمعالج فحسب، بل تُوجّه المريض من خلال هذه العلاقة إلى الارتباط بالشافي الحق، سبحانه وتعالى.
فإن كان الأخصائيون والمعالجون يقدمون العلاج، فإن الشفاء في حقيقته بيد الله وحده. وإن كان المعالج حاضرًا مع مريضه لساعات محدودة، فإن الله الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، حاضرٌ دائمًا مع عبده؛ قريبٌ منه في ضعفه، يسمع أنينه وشكواه.
وكثيرًا ما يقف المعالجون عاجزين أمام بعض الحالات المستعصية، بينما لا يعجز ربُّ العرش العظيم عن شيء. فالله لا يعجزه أمر، وإن تأخّر الشفاء لحكمةٍ يعلمها، فإنه يفتح لعبده أبواب الرضا، ويهديه إلى طمأنينة أعمق، تُقرّبه إليه وتملأ قلبه سكينةً وإيمانًا.
4- التشخيص النفسي: اختراع لا اكتشاف
يرى بينتال أن الأنظمة التشخيصية مثل DSM وICD ليست مبنية على أدلة بيولوجية دقيقة ومُتفق عليها، بل تمثل في كثير من الحالات اتفاقات معيارية بين الخبراء أكثر منها اكتشافًا طبيًا موضوعيًا. كما يشير إلى أن هذه التصنيفات قد تتأثّر بالضغوط الثقافية والمؤسسية، وأن الاتساق الداخلي والتوافق بين ممارسين مختلفين (reliability) غالبًا ما يكون ضعيفًا؛ إذ تُظهر بعض الدراسات أن معامل التوافق في تشخيص اضطرابات شائعة كالاكتئاب والقلق لا يتجاوز 0.2 إلى 0.4 في بعض الحالات، مما يُشكّل تحديًا جديًا لمصداقيتها كأداة تشخيصية صلبة (Regier et al., 2013).
يرى بنتال أن الأنظمة التصنيفية المفصّلة لا تستطيع أن تمسك بشكل منهجي بالأعراض المتزامنة أو تنظّمها تحت تشخيصات محددة. كما يؤكد أن هناك أشخاصًا يعيشون بشكل طبيعي رغم أعراض مثل الهلاوس، بل توجد مجموعات دعم ذاتي، مثل شبكة سامعي الأصوات في بريطانيا.
وتُظهر هذه الانتقادات أن التشخيص النفسي الغربي لا يقوم على أسس بيولوجية أو علمية راسخة بقدر ما يعكس اختيارات اصطلاحية تخضع لسلطة المؤسسات العلمية والضغوط الثقافية. وهنا تستفيد الباحثة من هذا الانتقاد لتؤكد أن النظرية النفسية الإسلامية الشاملة ليست مطالَبة بالامتثال لهذه التصنيفات، بل ببلورة معايير تشخيصية تستند إلى خصوصية الإنسان المسلم في توازنه بين الجسد والنفس والعقل والروح. فالحزن مثلًا ليس مرضًا يُقاس بالأسابيع، بل تجربة وجودية فطرية تُمنح قيمتها في ضوء علاقتها بالإيمان والرضا والقدرة على مواصلة وظيفة الإنسان العبادية والعمرانية. وبهذا، يتجاوز التشخيص الإسلامي منطق “الاختراع الاصطلاحي” ليعود إلى قراءة أكثر واقعية ووجودية لمعاناة الإنسان.
5- الإشكال الإبستمولوجي: من المفهوم إلى حدود النموذج الطبي
يطرح البروفيسور ريتشارد بينتال إشكالًا معرفيًا عميقًا يتعلق بطبيعة هذا الحقل وحدود أسسه المعرفية ومشروعيته العلمية؛ إذ يتساءل عما إذا كان يمكن تصنيف ما نطلق عليه “اضطرابات نفسية” كأمراض بالمعنى الطبي الدقيق، كما هو الحال في علم الأمراض الجسدية.
يرى بينتال أن الطب النفسي يعتمد نموذجًا بيولوجيًا تقليديًا مستمَدًّا من الطب العام، في حين أن الظواهر النفسية ذات طابع معنوي، ثقافي، وتجريبي، لا يمكن اختزاله في مؤشرات بيولوجية أو تفسيرات كيميائية. ويبرز في هذا السياق أن مفهوم “المرض العقلي” نفسه ليس مجرد مسألة طبية، بل هو بناء اجتماعي وثقافي محكوم بدلالات قيمية ومعيارية، ما يجعله إشكالية معرفية بامتياز.
وتستفيد الباحثة من هذا الطرح لتؤكد أن الأزمة المعرفية التي يكشفها بينتال إنما تعكس قصور المنظومة الغربية في تعريف الإنسان ومعاناته. فبينما يستعير الطب النفسي النموذج الطبي البيولوجي ليطبّقه على الظواهر النفسية، قدّم التراث الإسلامي منذ قرون تمييزًا واضحًا بين المرض الجسدي والمرض النفسي–القلبي، مع وعيٍ بأن الظواهر النفسية لا تختزل في مؤشرات عضوية أو كيميائية. ومن ثمّ، فإن النظرية النفسية الإسلامية الشاملة لا تقف عند نقد حدود النموذج الطبي، بل تؤصّل بديلًا معرفيًا أو براديم (Paradigm) متجذّرًا من رؤية قرآنية–ترى الإنسان في تكامله بين الجسد والنفس والروح والقلب، وتعيد تعريف الصحة والمرض في ضوء هذا التصور الكلي.
6- بنتال ضمن تيار فكري أوسع
يقف بينتال ضمن سياق فكري نقدي متصاعد في الطب النفسي، ويتقاطع مع عدد من المفكرين دون أن يتبنى مواقفهم كاملة. فهو يستحضر أطروحات الدكتور توماس ساس (Thomas Szasz)، أستاذ الطب النفسي المعروف بإنكاره لوجود المرض النفسي ككيان طبي، إلا أنه يخالفه في الأساس، مؤكدًا أن الاضطرابات النفسية حقيقية، لكنها تُفهم وتُعالج في إطار غير دقيق. كما يلتقي مع الدكتورة جوان مونكريف (Joanna Moncrieff) في نقدها لفرضية الخلل الكيميائي، ويعبّر عن توافقه مع الدكتور بيتر غووتشي (Peter Gøtzsche) في تشكيكه بالعلاقة المعقدة بين شركات الأدوية والمنظومة العلاجية. وبهذا، يتموضع بينتال كصوت إصلاحي متزن، يجمع بين النقد البنيوي العميق والرغبة في بناء بدائل أكثر إنسانية وواقعية في فهم ومعالجة المعاناة النفسية.
وتستفيد الباحثة من موقع بنتال في هذا السياق النقدي لتؤكد أن مراجعة الطب النفسي ليست حكرًا على المنظومة الإسلامية، بل هي جزء من جدل عالمي واسع تشارك فيه أسماء بارزة. غير أن ما يميز الرؤية الإسلامية هو أنها لا تتوقف عند النقد أو التفكيك، بل تنطلق إلى بناء نظرية نفسية أصيلة تستند إلى التصور القرآني للإنسان، وتعيد صياغة مفاهيم الصحة والمرض والعلاج ضمن براديم يوازن بين الجسد والنفس والعقل والروح. وبهذا، يصبح إسهام الباحث المسلم إضافة نوعية، لا مجرد صدى للنقد الغربي.
7- ماذا قدم الطب النفسي؟
رغم التطورات التي شهدها الطب النفسي خلال العقود الأخيرة في مجالات الأدوية والتكنولوجيا والتصنيفات السريرية، يشكك ريتشارد بنتال فيما إذا كان هذا التقدم قد انعكس فعلًا على صحة المرضى وجودة حياتهم. ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل هناك أي دليل على أن الطب النفسي قد حقق فائدة ملموسة للإنسان؟ ليخلص إلى أن الإجابة، على نحو مفاجئ، هي: لا يوجد.
ومن الأدلة التي يسوقها المؤلف أنّ معدلات التشخيص النفسي خلال القرن العشرين لم تنخفض بل زادت بشكل ملحوظ (ففي الولايات المتحدة ارتفعت بنحو 600% بين 1955 و2003).
كما يستشهد بنتال بدراسات منظمة الصحة العالمية التي أظهرت أن معدلات التعافي لدى المصابين بالذهان في بعض الدول النامية أفضل من معدلات التعافي في الدول الصناعية، على الرغم من قلة الموارد الطبية. ويعتبر هذه النتائج مؤشرًا على أن النهج البيولوجي القائم على الأدوية لم يحقق ما يُفترض أن يحققه من تحسينات، وأن العوامل الاجتماعية والداعمة قد تكون أكثر تأثيرًا في مسار المرض.
وتستفيد الباحثة من هذا النقد لتؤكد أن التقدّم المادي في الطب النفسي لا يكفي ما لم يُدعّم برؤية إنسانية وروحية شاملة. فنتائج منظمة الصحة العالمية، التي أظهرت معدلات تعافٍ أعلى في بعض الدول النامية، يمكن فهمها في ضوء حضور عوامل اجتماعية وروحية لا تقل أهمية عن الأدوية. وفي هذا السياق، تعيد النظرية النفسية الإسلامية تعريف مفهوم «العافية» باعتباره سلامة شاملة للجسد والنفس والقلب والروح، حيث يكون العلاج الحقيقي في إعادة الإنسان إلى عبوديته، لا في السيطرة المؤقتة على الأعراض. وبهذا، تقدّم الرؤية الإسلامية بعدًا مكمّلًا يتجاوز قصور النموذج البيولوجي الغربي.
8- بين النقد والبناء: قراءة تقويمية في كتاب Doctoring the Mind
رغم القيمة العلمية والفكرية الكبيرة لكتاب Doctoring the Mind، إلا أن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى بعض مواطن القصور فيه. فبنتال، رغم جرأته في نقد الأسس البيولوجية للطب النفسي، لا يقدّم نموذجًا متكاملًا بديلًا يمكن اعتماده عمليًا. كما أن مشروعه يبقى في الإطار التجريبي الإنساني دون تجاوز للحدود المادية في فهم الإنسان. يضاف إلى ذلك أن مقاربته تبقى محصورة في السياق الثقافي الغربي، ولا تتناول أثر الأبعاد الدينية والروحية في التجربة النفسية.
عمومًا، يُعد الكتاب مساهمة نقدية جريئة في زعزعة الأسس البيولوجية الاختزالية التي يرتكز عليها الطب النفسي المعاصر. وهذا يفتح المجال للباحثين لتطوير نماذج بديلة أكثر إنسانية وشمولية في فهم الاضطرابات النفسية ومعالجتها. ومن هذا المنطلق، يشكّل الكتاب أرضية معرفية ثرية تتيح للباحث المسلم مراجعة النسق النفسي الغربي انطلاقًا من تفكيك علمي داخلي، لا من موقف أيديولوجي خارجي.
وانطلاقًا من الرؤية الإسلامية التي تُعلي من قيمة الإنسان، تتضح الحاجة إلى نموذجٍ علاجيٍّ متكامل يتجاوز النظرة الطبية–البيولوجية الضيقة، ويراعي تكامل الإنسان الجسدي، والنفسي، والعقلي، والروحي، ويوازن بين العلاج النفسي، والدعم الأسري والمجتمعي، والاستخدام الرشيد للأدوية. إنها مقاربة تُعيد الاعتبار للعلاقة العلاجية، وتُدرك أن الشفاء لا يتحقق بالأدوية وحدها، بل بعلاقة النفس بخالقها، تلك العلاقة التي تملأها بالرحمة، والرضا، والتوكل، والطمأنينة، وتسندها في مسيرتها نحو العافية.
خاتمة
يقدّم كتاب Doctoring the Mind لريتشارد بنتال قراءة نقدية معمّقة للأسس البيولوجية التي يقوم عليها الطب النفسي الحديث، كاشفًا عن ثغراته المفهومية والمنهجية. ورغم ما يُؤخذ عليه من محدودية في تقديم نموذج بديل متكامل، فإنه يظلّ من أبرز المحاولات الإصلاحية التي مهّدت لحوار معرفي عالمي حول جدوى الطب النفسي المعاصر.
وقد حظي الكتاب باهتمام معتبر في الأوساط الأكاديمية، حيث نُشرت عنه مراجعات نقدية في عدد من المجلات العلمية المتخصّصة في علم النفس والطب النفسي، كما بلغ عدد الاستشهادات به أكثر من 631 اقتباسًا وفق إحصاءات جوجل سكولار (Google Scholar)، وهي نسبة مرتفعة نسبيًا لكتاب من هذا النوع، ما يعكس تأثيره العميق في النقاشات الراهنة حول فعالية الطب النفسي وجدوى نماذجه التشخيصية والعلاجية.
ختامًا، يقدّم هذا الكتاب للباحثين في الحقول النفسية من منظور إسلامي فرصةً للاستفادة النقدية من التيارات الفكرية الغربية، على المستويات الفكرية والمنهجية والمعرفية، لا بوصفهم تابعين لها، بل كمؤصّلين يسهمون في بناء علمِ نفسٍ متجذّرٍ في الرؤية القرآنية، يُعيد تعريف النفس والمعاناة والعلاج ضمن إطار نظريةٍ نفسيةٍ إسلاميةٍ شاملة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
مرجع الكتاب
Bental, R. P. (2009). Doctoring the mind: Is our current treatment of mental illness really any good? New York, NY: New York University Press
مراجع المقالات المراجعة للكتاب
Adams, C. (2010). Review of Doctoring the mind: Why psychiatric treatments fail, by R. P. Bentall. History of Psychology, 13(2), 206–208.
Foschi, R. (2010). Richard P. Bentall. Doctoring the mind: Is our current treatment of mental illness really any good? [Review of the book Doctoring the mind: Is our current treatment of mental illness really any good?, by R. P. Bentall]. Journal of the History of the Behavioral Sciences, 46(3), 315–317.
Helm, S. (2010). Review of Doctoring the mind: Is our current treatment of mental illness really any good?, by R. P. Bentall. Psychiatric Rehabilitation Journal, 33(4), 333–334.
Kecmanović, D. (2010). Doctoring the Mind: Why Psychiatric Treatments Fail [Review of the book Doctoring the Mind, by R. P. Bentall]. Acta Medica Academica, 39(1), 79–81
Miller, R. (2010). Doctoring the mind: Why psychiatric treatments fail. Psychological Medicine, 40(4), 681–682.
Quadrio, C. (2010). Doctoring the mind: Why psychiatric treatments fail [Review of the book Doctoring the mind, by R. P. Bentall]. Psychosis, 2(1), 70–73.
Read, J. (2010). Doctoring the Mind: Why psychiatric treatments fail — review. Journal of Mental Health, 19(2), 102‑104.
Regier, D. A., Narrow, W. E., Clarke, D. E., Kraemer, H. C., Kuramoto, S. J., Kuhl, E. A., & Kupfer, D. J. (2013). DSM-5 field trials in the United States and Canada, Part II: Test-retest reliability of selected categorical diagnoses. American Journal of Psychiatry, 170(1), 59–70.
مؤلف الكتاب
البروفيسور ريتشارد بنتال (Richard P. Bentall)
عالم نفسٍ بريطاني، وأستاذ في علم النفس السريري بجامعة شيفيلد (University of Sheffield)، يُعدّ من أبرز الباحثين المعاصرين في نقد النموذج البيولوجي للطب النفسي. عُرف بأعماله التي تربط الاضطرابات النفسية بالعوامل الاجتماعية والتجريبية بدلاً من الاقتصار على التفسيرات الجينية أو الكيميائية. ريتشارد بنتال نشر أكثر من 446 بحث محكَّم في الدوريات العلمية.
الترجمة والتحليل
الدكتورة ليلى الشريف
استشارية طب نفس الأطفال والمراهقين، وأستاذة مشاركة سابقة في كلية الطب بجامعة صفاقس – تونس، واستشارية سابقة في مستشفى الأطفال بمحافظة الطائف – المملكة العربية السعودية. متخصّصة في العلاج السلوكي المعرفي (CBT). نشرت عشرين بحثًا علميًا في مجلات علمية محكّمة. تحمل بكالوريوس في العلوم الإسلامية – تخصص القرآن الكريم وعلومه من جامعة المدينة العالمية. تركّز اهتماماتها البحثية الحالية على دراسة العلوم النفسية من منظور إسلامي.