حدثني أحد الزملاء — وهو أخصائي نفسي أمريكي مسلم يعمل في أحد المراكز الأمريكية — أنه تقدّم بطلب منحة لإنتاج نسخة “إسلامية” من أحد أنواع العلاج النفسي الغربي. كان المشروع واعدًا، ومكتوبًا بعناية، ومصممًا لخدمة المسلمين، لكن الردّ الذي وصله من الجهة المانحة كان واضحًا: “نعم، نوافق على دعم المشروع… بشرط أن تكون اليد العليا للنظرية الغربية، لا للمنظور الإسلامي”.
تأمّلت طويلًا في عبارته هذه، وتذكرت كثيرًا من المشاريع النفسية الإسلامية التي سلكت المسار ذاته: الاستعانة بما يُعرف بـ”المنهج الأقرب” — أي اختيار المدرسة الغربية الأقرب إلى رؤيتنا الإسلامية، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها الأقل تعارضًا.
ولكن… هل هذا المسار كافٍ؟ وهل هو حلٌّ دائم، أم مجرد تدبير اضطراري مرحلي؟
وهل هذا الاختيار خالٍ من التبعية المعرفية؟ أم أنه يحمل في طيّاته بذور هيمنة الآخر؟
هذا ما نناقشه في هذا المقال.
ما هي مقاربة “المنهج الأقرب”؟
هي الاستراتيجية التي يتبعها كثير من المتخصصين المسلمين في علم النفس، والتي تقوم على الآتي:
في العلاج النفسي: اعتماد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لأنه الأقرب إلى المنظور الإسلامي.
في تعريف الصحة النفسية: تبنّي مفاهيم مثل “العافية” و”الصحة الشمولية” لأنها أقرب للتصور الإسلامي.
في الطب النفسي: الميل إلى المدرسة التفسيرية التعددية لأنها أكثر مرونة في احتواء الأبعاد الدينية.
هذه المقاربة تُستخدم في عدة مراكز طبية إسلامية حاليًا، بل وتحظى أحيانًا بدعم من الأدبيات الغربية التي تشجع على ما يسمّى بـ “Culturally Adapted Psychotherapy” — أي العلاج النفسي المعدّل ثقافيًا.
لكن خلف هذا الترحيب الظاهري، تكمن إشكالات تأصيلية خطيرة:
- ليست تأسيسًا معرفيًّا، بل استراتيجية مرحلية.
“المنهج الأقرب” ليس مشروعًا فكريًا متكاملًا، بل هو براغماتية واقعية تفرضها الضرورة الحالية.
ولا يجوز أن تتحوّل إلى تصور دائم، أو تُرفَع إلى مقام التأصيل النظري، أو يُحارَب بسببها من يسعى إلى مشروع إسلامي مستقل. - الخلط بين الانسجام المؤقت والتأسيس المعرفي.
قد تتقاطع بعض مفاهيم CBT أو المدارس التعددية مع رؤيتنا، لكن هذا لا يعني اشتراكًا في البنية الفلسفية.
فالعلاج المعرفي السلوكي — على سبيل المثال — قائم على البنائية المعرفية الوضعية والبراغماتية، وهي فلسفات لا تنطلق من مفهوم إسلامي للإنسان ولا لمصدر المعرفة ولا للحق.
- خطر التبعية المعرفية غير الواعية.
الغرب يشجّع على التكييف المحلي للنظرية الغربية، لا حبًّا في خصوصية الثقافات، بل حرصًا على بقاء هيمنة نظرياته. ولذلك، فـ”العلاج الإسلامي” عندهم هو مجرد قالب ثقافي تُسكب فيه النظرية الغربية، دون أي مساءلة لجذورها أو مراجعة فلسفية لنموذجها المعرفي. - لا نُنجز الآن إلا تدبيرًا مرحليًا.
ما نفعله الآن هو تدبير اضطراري لا يعكس تحقق النموذج الإسلامي بعد.
ويجب ألا يغيب عنا أن واجبنا لا يقتصر على “تكييف الموجود”، بل يشمل: النقد، والتحليل، ثم التأسيس البديل.
نحو نموذج شامل مستقل مهيمن.
الهدف الأسمى ليس الاقتراب من الغرب، بل بناء نموذج شامل مستقل، مهيمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ﴾[المائدة: 48].
نعم، لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم.
وما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه.
لكن في الوقت نفسه: لا يجوز أن نُؤسّس ما هو مؤقت، أو نُشرعن ما هو تلفيقي، أو نُخدَع بما هو في حقيقته خضوع معرفي تحت عنوان التكييف الثقافي.
إننا اليوم بحاجة إلى جيلٍ يؤمن بأن ما بين أيدينا ليس قديمًا، بل متجدد.
وبأن الشعار الذي يجب أن نرفعه جميعًا: نحو علم نفس إسلامي أصيل… لا تابع.