مقدمة
تمرّ بالإنسان في مختلف مراحل حياته ظروفٌ صعبة تتراوح بين الأزمات الصحية، والضغوط الأسرية، والتقلبات الاقتصادية، وفقد الأحبة، وسوء الفهم، وغيرها من الابتلاءات. ورغم قسوتها، فإن هذه الظروف ليست دائمًا سببًا مباشرًا للمشكلات النفسية، كما أن إدارتها لا تقتصر على الحلول المادية فقط، بل تتطلب توازنًا بين المنهج النفسي السليم والرؤية الإيمانية العميقة.
يتناول هذا المقال ما قدّمه الدكتور خالد الجابر في حلقة بعنوان “التعامل مع الظروف الصعبة” ضمن برنامج بصائر، حيث عرض أُسس التعامل الفعّال مع الظروف الصعبة، مع التركيز على الجوانب النفسية والقيم الدينية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
الظروف الصعبة: ضرورة واقعية وسُنّة إلهية
الابتلاء سنة من سنن الله في عباده، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).
فالابتلاءات ليست علامة سخط، بل قد تكون طريقًا للتمحيص، ورفع الدرجات، وتقوية الإيمان. ومن هنا فإن النظر إلى الظروف الصعبة لا ينبغي أن يكون نظرة تشاؤمية، بل متزنة تُراعي الحكمة الإلهية خلف كل ما يجري.
العلاقة بين الصعوبات النفسية والظروف الحياتية
تشير الدراسات النفسية والتجارب السريرية إلى أن عددًا كبيرًا من حالات الاكتئاب والقلق لا تنشأ بالضرورة عن ظروف صعبة؛ بل قد تعود لأسباب عضوية أو فكرية أو حتى وراثية. وفي المقابل، فإن بعض الأفراد يواجهون أزمات قاسية دون أن تظهر عليهم أعراض نفسية خطيرة.
هذا التفاوت يدل على أن التفسير الشخصي للأحداث، وليس الحدث ذاته، هو ما يصنع الفارق الأكبر في الاستجابة النفسية. وهذا يتماشى مع الحديث النبوي: “عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابته سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا له” رواه مسلم
إعادة تأطير القناعات والتفكير الواقعي
من أبرز أسباب فشل الإنسان في تجاوز المحن، تبنّيه قناعات خاطئة مثل:
- “أنا منحوس”
- “لا أستطيع النجاح دون واسطة”
- “هذه لعنة أو سحر”
مثل هذه التفسيرات تُبعد الإنسان عن الحلول الواقعية، وتُدخله في دائرة من التذمر والجمود النفسي. وهنا تأتي أهمية استبدال هذه القناعات بنظرة عقلانية، قائمة على التفاؤل الواقعي، مع التأمل في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي أن كل ابتلاء يرافقه قدر من القوة لتحمله، لكن لا بد من تنمية هذه القوة وتوجيهها.
الحكمة الإلهية في المحن
كثيرون يسألون: “لماذا يحدث لي هذا؟”، أو “أين العدل الإلهي؟”، وهذه أسئلة تعكس رؤية قاصرة للحكمة الإلهية. قال تعالى:(وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وهذا يُرشد إلى أن الحكمة والرحمة الإلهية لا تُدرك باللحظة الآنية فقط، بل في أبعادها الأوسع، زمنيًا وروحيًا واجتماعيًا.
نموذج واقعي: كيف تتحول المحنة إلى منحة.
أورد الدكتور خالد الجابر قصة امرأة كانت ترعى ابنًا مشلولًا منذ ولادته. رغم العبء الجسدي والنفسي، اعتبرت هذه الأم ابنها “نعمة”، إذ ساهم وجوده في تقوية صلتها بالله، وتعزيز صلابتها النفسية، وتطوير مهاراتها في العناية والاحتواء. هذه القصة تؤكد أن المعاناة قد تكون محفزًا للنمو والتحول الإيجابي إذا تم التعامل معها برؤية متزنة.
وهذه القصة تعكس المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: “إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رَضِي فله الرِّضا، ومَن سَخِطَ فله السُّخْطُ”رواه الترمذي.
توسيع مفهوم “حل المشكلات”.
يخطئ كثيرون في افتراض أن “حل المشكلة” يقتضي بالضرورة زوالها تمامًا. لكن الحقيقة أن التعامل الإيجابي قد يشمل:
- تخفيف أثر المشكلة: عبر العلاج، أو تحسين الظروف المحيطة.
- القبول النفسي: وهو ما يسمى في علم النفس بـ Acceptance، أي قبول ما لا يمكن تغييره دون استسلام.
- الاحتساب: وهو أن يُنظر للمشكلة على أنها طريق للأجر والثواب، كما قال ﷺ: “ما يصيب المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه”رواه البخاري ومسلم
الربط بين الإيمان والصحة النفسية
أثبتت دراسات حديثة في الطب النفسي أن الإيمان بالله، وممارسة العبادات، واليقين بالقدر، تسهم في تقوية المناعة النفسية للفرد، وتمنحه طمأنينة داخلية لمواجهة الأزمات. قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
خاتمة
إن الظروف الصعبة ليست شرًا مطلقًا، بل قد تكون بابًا للتقرب من الله، وفرصة لإعادة تقييم الحياة، وتنمية الذات. ما بين الأخذ بالأسباب، وإعادة بناء القناعات، والاستنارة بالإيمان، يمكن للفرد أن يتجاوز تحدياته النفسية بقوة ووعي واطمئنان.
إنه لا يُطلب من الإنسان أن يسيطر على كل ما يجري حوله، ولكن يُطلب منه أن يُحسن التفاعل، ويؤدي ما عليه، ويوقن أن في كل محنة رحمة، وفي كل ضيق مخرجًا.
ــــــــــــــــــــــــ
المرجع:
برنامج بصائر | حلقة: التعامل مع الظروف الصعبة _ د. خالد الجابر.