في كل لحظة نعيشها، تتسلل إلينا تصوّرات معينة عن ذواتنا: من نحن؟ ما الذي يجعلنا بخير؟ وما الذي نحتاجه لننجو وسط هذا الركام النفسي؟ وفي زمن تتداخل فيه الفلسفات، وتتزاحم فيه المفاهيم، يصبح من الطبيعي أن نتساءل: هل نحتاج إلى علم نفس إسلامي؟
ليس هذا العلم بديلًا تقنيًا أو هُويةً زخرفية، بل هو إعادة بناء في العمق؛ لأن كل علم عن الإنسان لا ينفصل عن الصورة الكلية التي نرسمها له: ما الإنسان؟ ما غايته؟ ما معنى نجاحه وسعادته؟ ومن هنا، لا يمكن اعتبار علم النفس السائد عالميًا علمًا محايدًا، لأنه في الحقيقة ابن بيئته المعرفية؛ نشأ في سياق ماديّ تجريبي، يرى الإنسان كجهاز يستجيب للمنبّهات، ويعالج الأفكار كما تعالج الآلة المعلومات.
هذه الفجوة بين الرؤية المادية والرؤية الإيمانية ليست خلافًا في التفاصيل، بل اختلاف في الجذور. نحن لا نختلف في تعريف الاكتئاب مثلًا، بل نختلف في ما إذا كانت الحياة أصلًا ذات معنى حين تُفقد الروح، نختلف في فهم النفس: أهي وظيفة عصبية؟ أم روح موصولة بالله؟ نختلف في الغاية من التزكية: هل هي تحسين الأداء؟ أم النجاة في الدارين؟
ولهذا، يصبح من الطبيعي أن يظهر طرح يتساءل عن جدوى استيراد نماذج جاهزة لبناء الإنسان، دون مراجعة الجذور الفلسفية التي نشأت منها. وفي هذا السياق، يُذكر في بودكاست “سكينة” (الحلقة الأولى بعنوان لماذا علم النفس الإسلامي؟) كيف أن نموذج علم النفس الإسلامي لا يبدأ من تقنيات العلاج، بل من السؤال التأسيسي: “ما البارادايم الذي ننظر من خلاله إلى النفس؟” لأن كل ما يُبنى تحته – من مفاهيم، وأدوات، ومناهج – يتشكّل على أساسه.(1)
وهذا يعيدنا إلى نقطة شديدة الأهمية: علم النفس ليس معرفة جزئية، بل علم كليّ بامتياز، يبدأ من تصور الإنسان عن نفسه، ويمتد إلى رؤيته لله، للغيب، للآخرة، ولغايات الحياة. ولهذا، فإن علم النفس الإسلامي ليس علمًا خاصًا للمسلمين فقط، بل مشروعًا إنسانيًا يعيد الاعتبار لروح الإنسان، ولعلاقته بما وراء المادة، ويُذكّر بأن الصحة النفسية ليست فقط غياب الاكتئاب، بل حضور السكينة، والرضا، والطُمأنينة، والإيمان.
النموذج الإسلامي لا يدعو إلى معاداة المناهج العلمية أو نتائجها، بل إلى تحرير المنهج من ضيقه، والانطلاق نحو أفق أوسع، يرى الإنسان ككائن غيبي مادي في آنٍ واحد، يشتبك مع المعنى كما يشتبك مع الواقع. وهذا لا يعني الاستغناء عن التراكم الغربي، بل إعادة فرزه ونقده، وبناء ما يناسب سياقنا الحضاري. في البودكاست نفسه، أشار د. خالد الجابر إلى أن المشروع الإسلامي بدأ بالفعل بتجميع مكنز معرفي ثري من التراث، يتجاوز عشرين ألف صفحة حتى الآن، ما يعني أن الرصيد موجود، لكنه يحتاج إلى من يُفعّله ويُبصره.(1)
يبقى أن ندرك أن الإنسان الذي يُربّي نفسه، ليس هو الإنسان الذي “يثق بذاته” في الفراغ، أو “يحقّق ذاته” عبر الضجيج، بل هو الذي يعرف أن نفسه أمانة، وأن إصلاحها رحلة، وأن نجاته ليست فقط في النجاح المهني أو الاستقرار العاطفي، بل في السلام العميق الذي لا يُمنح إلا لمن كان موصولًا بالله.
في نهاية الأمر، لا نحتاج إلى علم نفس “بديل”، بل إلى علم نفس أصيل، يبدأ من أسئلتنا الكبرى، ويتحدث لغتنا، ويعبّر عن إنساننا كما نراه في مرآة الإيمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ