احدث الإشعارات

أن تكون مطمئنًا رغم الألم: في فلسفة الرضا والصبر.

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر إلى وعيٍ لا إلى جمود، ويصير الرضا طمأنينةً تنبع من الثقة بالله لا من غياب الألم.

ملخص سريع

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر إلى وعيٍ لا إلى جمود، ويصير الرضا طمأنينةً تنبع من الثقة بالله لا من غياب الألم.

 

ليس الصبر تحمّلًا أعمى، ولا الرضا غفلة متفائلة. كلاهما مفهومان نفسيان شديدا العمق، لا يُختزلان في نصيحة عابرة أو موقف آني. وإذا كان الإنسان لا يملك أن يتحكم في كل ما يمرّ به، فإنه يملك أن يتعلم كيف يقف داخله، كيف يفهم نفسه حين تتألم، وكيف يُعيد تشكيل استجابته لما لا يملكه. وهنا، تصبح مفاهيم مثل الصبر والرضا ليست قضايا وعظية، بل محاور تأسيسية في فهم النفس وتربيتها.

الصبر في أصله ليس تجميدًا للمشاعر، بل اتساعًا لوعاء النفس كي يحتمل دون أن ينكسر. هو صمود في الداخل، مع وعي بما يجري، دون إنكار ولا تهويل. كما أنه ليس نفيًا للحزن، بل إدارة له دون أن يتحول إلى يأس. الفرق الدقيق بين الكبت والصبر هو أن الأول ينكر وجود الألم، بينما الثاني يعترف به، ويضعه في سياق أوسع من اللحظة والحدث.

في بودكاست “سكينة”، اللقاء الثالث بعنوان ” الصبر والرضا”، يُشار إلى هذا المعنى بدقة؛ فالصبر ليس أن “تبدو بخير”، بل أن تكون في مسار نفسيّ يضم الحزن لكنه لا يُسلم القيادة له. والجميل أن الصبر في الرؤية الإيمانية ليس جهدًا فرديًا خالصًا، بل استعانة بالله، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، وكأن النفس لا تصبر وحدها، بل تُمدّ من فوق، ويكون صبرها من جنس توكّلها.(1)

أما الرضا، فهو مرحلة مختلفة تمامًا. لا يعني أن الإنسان “راضٍ عن الضرر” أو “مُعجب بالابتلاء”، بل أنه واثق في حكمة من يُجري الأمور، ومطمئن إلى أن الخير قد لا يكون واضحًا الآن، لكنه موجود في علم الله. الرضا لا يعني تجميد الرغبة في التغيير، بل مرافقة الواقع بحكمة، والسير فيه دون صراع داخلي يُنهك النفس.

هنا يصبح الرضا حالة وعي، لا استسلام. الفرق بين “الرضا” و”الاستسلام السلبي” دقيق لكنه حاسم. الرضا يرى الألم لكنه لا يعترض على قدَر الله فيه، بينما الاستسلام يرى الألم ويقف عنده، بلا معنى ولا رجاء. الرضا يُشبه أرضًا داخلية متصالحة، حتى في وجود العطش، أو الغياب، أو التأخر، أو الحرمان. هو التصالح مع أن الحياة ليست دومًا على مقاس الأمنيات، لكنها ليست فارغة من الخير.

والنموذج الإسلامي في التعامل مع الشدائد لا يطلب من الإنسان نسيان ألمه، بل يدعوه لقراءته قراءة مختلفة. أن يرى البلاء بابًا للتزكية، وأن يفهم الضيق لا كعقوبة بل كمجال للترقّي. أن يدرك أن نفسه تُبنى في لحظات الألم أكثر مما تُبنى في لحظات الرخاء، وأن الصبر والرضا ليسا فقط استجابتين طيّبتين، بل أداتين في بناء النفس على المدى الطويل.

ما يشير إليه د. خالد الجابر في هذه الحلقة من البودكاست، هو أن جزءًا من معاناة الإنسان اليوم ليست في طبيعة الابتلاء، بل في كيف يفهمه. حين يُطلب من الإنسان أن “يتجاوز” بسرعة، أو أن “يكون قويًا” بلا دليل داخلي، يُنتج ذلك هشاشةً مضاعفة. أما حين يُقال له: لك أن تحزن، لكن لا تيأس. ولك أن تتمنى زوال الألم، دون أن ترفض وجوده. حينها يصبح الصبر عملية نضج، ويصبح الرضا موقفًا وجوديًا فيه صدق وسكينة.(1)

في هذا التصور، لا يكون الصبر ضعفًا، ولا الرضا حالة جامدة. بل هما طريقان متوازيان في تربية النفس، وتوسيع أفقها، وربطها بالسماء دون أن تفقد وعيها بالأرض. من يصبر لا يُنكر ضعفه، بل يضعه في موضعه الحقيقي؛ بين مدّ من الله، وسير نحو غاية. ومن يرضى لا يجمّد مشاعره، بل يوجّهها نحو ثقة أعمق، وأفق أبعد، وأمل لا تحكمه الظروف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. المقال مُستقى من: بودكاست سكينة الحلقة 3 | الصبر والرضا: رؤية نفسية مع د. خالد بن حمد الجاب

اترك تعليقاً

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً

إسهامات الكاتب الأخرى

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

في زمنٍ صارت فيه حيواتنا معروضة في "مختبر" المقارنات على شاشات التواصل، كيف نحرس سكينة قلوبنا من السرقة

السعادة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المال، بل بتوازن الروح بين السعي الحكيم للرزق والرضا العميق بالنصيب، فليست الثروة

الأزمة ليست عقبة تُسقِط الإنسان، بل منبر يعيد تشكيله. المواجهة الحقيقية للأزمة تبدأ من وعي إيماني بالابتلاء، حيث

استكشف المجالات والشعارات

موضوعات ذات صلة

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر

المقال يفتح تأملًا في المعنى الإنساني العميق للصبر والرضا، كرحلة وعيٍ وتربية للنفس أمام الألم، حيث يتحول الصبر

مقالات ذات صلة

كثيرًا ما نبحث عن نموذج الأسرة المثالية فنصطدم بواقعنا، لكن ماذا لو كان المطلوب هو 'الحد الأدنى الكافي'

محدودية العلم النفس الغربي و الحاجة لنظرية الإسلامية النفسية الشاملة

إن التذكر المستمر لما يتعلق بالبعد الأخروي (الآخرة) يساعد الإنسان على اختراق المسافات والأزمنة والانتقال إلى عالم آخر

تحليل نقدي للخلط الشائع بين مصطلحات التحليل النفسي (مثل الأنا واللاشعور) والمفاهيم الإسلامية (النفس الأمارة واللوامة). نستعرض أخطاء

في زمنٍ صارت فيه حيواتنا معروضة في "مختبر" المقارنات على شاشات التواصل، كيف نحرس سكينة قلوبنا من السرقة

الخطاب النفسي والإعلامي الغربي يكثر فيه الحديث عن القلق المزمن، وضغط العمل، وإرهاق المهنة، واضطراب النوم. في هذه

Scroll to Top